أظن أن ثورة 1919 عليها إجماع وطني بأنها ثورة عظيمة.

ولكن البعد الغائب الذي يحرص من لديهم حساسية مفرطة تجاه كل ما هو إسلامي على تغييبه أكثر؛ هو كون ثورة 19 تتميز بشيئين أساسيين:

* أنها ثورة شعبية، الدافع لها هو طرد إنجلترا بصفتها دولة مسيحية تحتل بلدًا مسلمًا تابعًا للخلافة العثمانية.

* وأنها ثورة كانت تتسم بالعنف وليست سلمية تمامًا، بل كان هناك مساران: المقاومة السلمية، والعمليات المسلحة.

يقول أحد أفراد الجالية الإنجليزية في مصر حينها، واسمه كريش ميفسود وهو قاض بالمحاكم الأهلية، يقول:

“المسلم القادم من كريت أو قبرص أو سوريا أو من أي جزء من أجزاء الإمبراطورية العثمانية لا يُعتبر في مصر أجنبيًّا؛ فالوطن يُعرف أدبيًّا بأنه (البلد)، ولكنه لدى الشعب المتدين يعني (الدين)، فمظاهرات طلبة الأزهر التي تنادي (يحيا الوطن) تعني (يحيا الدين) الذي وقع في براثن ومخاطر الحماية البريطانية”.

ثم يشير ميفسود إلى مشاعر “التعصب الديني” في المظاهرات العارمة ضد الاحتلال؛ فقد لاحظ أن حوادث الاعتداء وسلب المحلات كانت تتركز على الأجانب والمصريين من الأقباط، دون محلات المسلمين في نفس المكان.

ويخلص ميفسود من هذا إلى أن شعور العداء لإنجلترا ليس بسبب أنها دولة أجنبية، وإنما لأنها دولة غير إسلامية، وأن الأهالي لا يشعرون بغضاضة إزاء ما سماه بـ(الاحتلال التركي) حيث توجد الخلافة الإسلامية.

شخص آخر اسمه مستر هولكر، وهو نائب مجلس الجالية الإنجليزية، يقول:

“إن (زعلول) ورفاقه بدؤوا الحركة في الأساس بتعصب ديني إسلامي، ولكنه لم يكن واضحًا لإشراك زغلول عناصر قبطية ليعطي الحركة مظهرًا غير طائفي. أما انضمام الأقباط للحركة فلأنهم كانوا يشعرون بأنهم أول من سيخسر إذا ما نجحت الحركة في إجلاء الإنجليز عن البلاد”.

وفي تقرير لبعض البعثات الإنجليزية التنصيرية، أكدت “وجود ارتباط كبير بين مفهوم الدين والدولة في الحركة الوطنية؛ فالخليفة ليس زعيمًا روحيًّا فحسب؛ وإنما هو زعيم سياسي كذلك، وهذه المفاهيم سائدة ومسيطرة ليس بين العامة بل بين المتعلمين والمثقفين، وواضحة تمامًا في حركة عرابي ومصطفى كامل، ولكنها في أحداث 1919 كانت تحت السطح، وكانت بعض الشعارات المطروحة تنادي بأن: الجحيم مع الأتراك أفضل من الجنة مع المسيحيين البريطانيين”.

ويقول السير رونالد جراهام المستشار البريطاني لوزارة الداخلية المصرية: “إن مصر لو حصلت على استقلالها ستكون مرغمة على تأييد الإمبراطورية العثمانية ضد بريطانيا وليس العكس، لأن الرأي العام المصري يعطف على الخلافة ويعادي بريطانيا”.

وقال: “يا صاحبي نحن نعرفكم كما تعرفون أنفسكم؛ فحين ظهور أول طربوش تركي في القنال ستتركوننا وتجرون وراءه!”.

وقد جاء في كتاب الأيام الحمراء الذي دوّن فيه الشيخ الأزهري عبد الوهاب النجار مذكراته عن يوميات الثورة، الكثير من العنف تجاه الإنجليز، بجانب المسيرات الشعبية، والإضرابات، والاعتصامات. (وهو كتاب عظيم)

ومما يعتبر شاهدًا أيضًا على ما سبق ما نذكره جميعًا في “بين القصرين” التي تجسد تلك الفترة، عندما دعت “أمينة” قبيل الثورة وإبان الحرب العالمية بالنصر للترك (أي العثمانيين)، وعندما لقّب “السيد عبد الجواد” الإنجليز بـ”الكفرة”، وعندما خطب ابنه “فهمي” في جمعيته السرية مناديًا بحمل السلاح ضد الإنجليز والجهاد في سبيل الله والاستشهاد.

أما أصدقاء الثورات اللطيفة، فيصورون تلك الثورة بأنها ثورة سلمية بحتة خرج فيها الهلال مع الصليب والرجل مع المرأة! فقط هذا كل ما يهمهم أن يبدوا بصورة تجعل الرجل الأبيض حانيًا عليهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد