إن من أهم النِعم التي منّ الله بها على الإنسان، وميزه بها، لتكن سببًا وأداة للإفصاح والتعبير عن مكنونات صدره هي نعمة الكلام. والكلام يحتاج إلى لُغة، واللغة بدورها تحتاج إلى فصاحة وتدَبر لكي نستخدم مفرداتها بطريقة سوية في أماكنها التي خصصت من أجلها، لا أن نتشدق بها دون الوقوف على أصولها، لكن مع كم الانتباه اللغوي الذي قد نتعرض له في حيواتنا، تبقى هناك بعض الألفاظ العالقة في نطاق الاستخدام المخلوط بسبب الاستخدام العام غير السوي لها.

ومن خلال دراساتنا اللغوية لعدة سنوات تبين لنا أن التعامل مع اللُغات، وخاصة اللغة العربية يحتاج إلى تدبر وتذوق للألفاظ؛ لأنها ليست كغيرها من اللغات، فهي أفصح وأثرى وأكثر دقة في إيصال المعنى عما عداها. حيث إن المتخصص في مجال التدريس اللغوي أو الترجمة، يعلم جيدًا أنه لا يمكن مبادلة مفردة بغيرها في الترجمة؛ لأن هذا ينقص من قدر العمل. فكان الحل الأمثل هو الوقوف على استخدام تلك المفردات في القرآن الكريم ومحاولة تدبرها لمعرفة الفرق اللغوي والمغزي من الاستخدام الدقيق لكل مفردة.

ـ الذنوب والسيئات
الذنوب هي الكبائر على الأكثر. كالقتل والزنا والشرك.. يقول تعالى: «رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ» 193 آل عمران.. كما ندعو بها، لكن كثيرين منّا لا يعرفون حقيقة الفرق بينهما.

أما السيئات فهي الصغائر.. وغالبًا ما تكون في حق الآخرين، كالغيبة والنميمة وغيرها.

ـ ملك ومالك
تعدد القراءات لها في سورة الفاتحة ربما يضيف معنى آخر للمعنى الأصلي.. والله مَلك ومالك، فهو مَلك يوم الدين ومالكه، لكن المفردتين تختلفان في المعنى وإن بدا التشابه.. أما المَلك ليس له إلا أن يحكم، لكنه لا يمكن أن يتصرف في ما يملك الرعية.. أما المالك فله أن يتصرف في كل من مَلك..
فمن حيث التصرف يجمع الله الأمرين لذلك وجب له سبحانه وتعالى قراءتين.. فصاحب الملك ملك. أما المالك فهو صاحب المِلك.. وقال تعالى مَالكُ المُلك، فالمُلكُ كله مِلكُه سبحانه وتعالى، فجمع بين الأمرين.

ـ الصيام والصوم
لم يستعمل الصوم في العبادة بل تأتي في الصمت فقط.. بدليل قوله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا 26 مريم.. أي صمتًا.
أما في العبادة فتأتي الصيام ومن اللفظ يظهر طول أمده، فصيام بها مد أما صوم فلا مد بها.

ـ الأبرار والبررة
يقول تعالى: «إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا». 5 الإنسان..
الأبرار للناس المُكلفين. أما البررة فتستعمل للملائكة.. الأبرار هي جمع قِلة فنسبت للبشر لأنه سبحانه وتعالى القائل: «وقليل من عبادي الشكور».. أما وبحكم أن الملائكة كلهم طائعون: فجمعها على جمع الكثرة بررة ونسبت للملائكة. في قوله تعالى: «كِرَامٍ بَرَرَةٍ» 16 الإنسان.

ـ حضر وجاء
الحضور نقيض الغياب. أما المجيء فهو القدوم من مكان إلى مكان.

المجيء فيه حركة ونية القدوم، أما الحضور فهو حدث، كقولك: كنت حاضرًا فسمعتهم.. ولست قادمًا مخصوصًا للاستماع لهم.. كقوله تعالى: «حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ». 40 هود.. أما الحضور هو الشهود والتواجد في المكان. أما جاء فيزيد فيها معنى الانتقال.

ـ القضاء والقدر
القضاء هو علم الله في سابق الأزل بما سوف يحدث في الأكوان إلى ما يشاء..
القدر هو تنفيذ تلك الأحداث.. فما لم يقع بعد هو قضاء. أما ما وقع منها هو قدر.. والقضاء يغيره الدعاء، أما القدر لا يتغير لأنه قد وقع فأصبح من الماضي.

ـ العفو والمغفرة والصفح
العفو هو ترك العقوبة، والمغفرة فهي الستر.. الصفح هو ترك اللوم والتثريب، فقد يعفو الشخص ولا يصفح.. لذلك قال تعالى: «فاعفوا واصفحوا».

ـ التمني والرجاء
التمني إما شيء لا يمكن أن يقع أو يصعب أن يقع.. كقول شخص: أتمنى أن أكون خالدًا. فهو متعسر أو متعذر أو مستحيل.

والدعاء والطلب هو من الرجاء. لذلك لا يصح أن يكتب المدرسين في أوراق الامتحانات، مع أطيب الأمنيات بالنجاح والتوفيق، فهذا معناه الاستحالة. والأفضل كتابة نرجو لكم التوفيق.

ـ الحمد والشكر

الشكر يكون بمقابل، فهو لكل من أوصل إليك نعمه، ومن قدم لك معروف تشكره، ولذلك نستخدم شكرًا لك ولا نقول حمدًا لك.. كما أن الشكر لا يكون فقط باللسان، بل أحيانًا يتطلب العمل وإيصال ما يعلم ليستوفي الشكر.

أما الحمد فيكون حمدًا لإسداء النعمة أو بعدم إسداء النعم.. فتحمد الله أو الإنسان على الصفات الموجودة به، كالكرم والبشاشة والطيبة وغيرها.

ـ المثوى والمأوى
المثوى هو المكان الذي يقيم به الإنسان مصحوبًا بالألم.. كقوله تعالى في سورة يوسف على لسان العزيز : «أكرمي مثواه»، لأنه كان يتيمًا في موقف ضعف..
«والنار مثوًا لهم». «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ» 60 الزمر. أما المأوى فهي في الجنان على الأكثر.. لأنه المكان الذي يجمع الإنسان إما في الجنة أو الجحيم.. ولأن هذا المعنى يشمل الاثنان فهو أوجب للاستعمال مع أهل الجنة عن المثوى.

ـ الأبوان والوالدان
لم يستعمل الدُعاء والبر إلا للوالدين. كما في قوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالدي».. ومنه أيضًا: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا». 23 الإسراء.

الوالدان لمن ولدا مع أن الأم هي من تلد فالتعظيم في المسمى جاء من أجل الأم.
الأبوان من تعظيم الأب، لذلك في الميراث يقول تعالى: «وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ» 11. النساء لأن الأب له النصيب الأعلى في الميراث، أما الأم فلها النصيب الأوفر من المحبة والصحبة.. لذلك في قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ 100 يوسف. وذكر لفظ الأبوين لتكون الأم تابعة في السجود تعظيمًا لقدرها. ولأن الأب أحق بالعرش من الأم فتم تقديمه.

– إن شاء وإنشاء
ربما يعلم أغلبُنا أن عِبارة إن شاء الله تُكتب هكذا، ولكن أحيانًا وبدون قصد تُكتب إنشاء الله.. ولأن الفرق شاسع بين الفعلين فقد وجب التنويه.

فالفعل إنشاء هو من أنشأ – يُنشئ أي وَجد كما في قوله تعالى: «إنا أنشأناهُن إِنشاءً»، أي أوجدناهن إيجادًا.. فلو كتبنا إنشاء الله يكون المعنى أننا أنشأنا الله بمعنى أوجدناه وهذا مُحال. لأن الضد هو الأصح والله تبارك وتعالى هو مُوجدنا.

أما عِبارة إن شاء الله فهي من الفعل شاء أي أراد فيكون المعنى أننا كتبنا بإرادة الله مثل قوله تعالى: «وما تشَاؤون إلا أن يشاء الله» وعليه: فإنها «إن شاء الله» بفصل النون عن الفعل شاء.

وإن اختلط الأمر على البعض أحيانًا فمن المُمكن كتابة بإذن الله. فمعناها مُماثل لعبارة إن شاء الله.

ـ رسول ونبي
كلاهما يوحى إليه.. وكلمة نبي مأخوذة من النبا أي الخبر.. فهو المنبَأ عن طريق الوحي عن طريق جبريل عليه السلام.. الرسول هو حامل كل رسالة وقام بتبليغها سواء ربانية أو بشرية، وصلته بالناس أكثر.. الرسول يجيء بشرع يؤمر بتبليغه. أما النبي فيجيء بالسلوك، ويطبق ما جاء به من قبله.. ومن العلماء من يقول إن الرسول يأتي برسالة لا توجب صلتها بما سبقها وهو من يرسل لقوم كافرين. أما النبي فرسالته ما جاءت مُتممة لما سبقها.

ـ مَعاد مِيعاد
المعاد من عاد، أما ميعاد من وَعَد.. فالمَعاد اسم المكان الذي نتواعد فيه. أو هو المكان الذي يعيش فيه الإنسان. كقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ» 85 القصص. أي إلى مكة.. أما ميعاد فهو الموعد الزمني.. كقوله تعالى: «وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ 20» الزمر.. فمن الممكن أن يخلف الإنسان الميعاد، لكنه لا يخلف المَعاد.

ـ إله ورب
الرب هو المُربي والقيم على الأمر والرازق والهادي.. فيمكن أن نقول: رب البيت، رب الأسرة.. وفي أفعال الإرادة لا يأتي إلا بخير.. كقوله تعالى: «فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ» 82 الكهف.
كما لم يُذكر فعل الإرادة بالسوء أو الضر في القرآن الكريم إلى الرب، بل تُسند دائمًا إلى الله.. «قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا». 17 المائدة.
«وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ 11». الرعد
«قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً». 17 الأحزاب.
«قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ 38 الزمر».. وهذه من خصوصيات الاستعمال في القرآن الكريم.

ـ الكفر والشرك
الكفر أعم من الشرك. فكل مُشرك كافر لكن ليس كل كافر مُشرك.. الكفر هو الستر أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة. كقوله: «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا 37». الكهف.. فكان الرد «ولم أشرك بربي أحدًا».
أما الإشراك فهو أن يجعل لله شريكًا. والشرك هو أكبر الكبائر، لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا 48 النساء». وقوله تعالى: «ليبلوني أأشكر أم أكفر». 40 النمل.

ـ الوفاة والموت

من معاني الوفاة في اللغة النوم، أو هي قطع التصرف بالحركات الإختيارية.. كالنوم مثلًا.. «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ» 60 الأنعام. وقوله تعالى: «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ» 55 آل عمران. أي مستوفي شخصك من الأرض.. كما أن استيفاء الدين تعني إنهاءه والتخلص منه. أما الموت فهو الموت المعروف من خروج الروح وانقطاع الحياة.

وعليه فإن هذه الفروق اللغوية ما تزال على قدر عالٍ جدًا من الأهمية حتى وإن كان عُلماء اللغويات ما زالوا على انقسام في أصل اللغة بين كونها فطرة أو اختراع، إلا أننا سنُحاول ما حيينا أن نفهم ما نقرأ ربما أرشدنا هذا إلى الله، وعليه فقد كان هذا قليلٌ من كثير وبعضُ من فيضٍ مما أفاء به الله على أساتذتنا، وهم قد أفاءوا بذلك العلم علينا بدورهم.. فرحم الله الدكتور مصطفى محمود الذي علمنا معرفة الله من خلال التدبر في المنظور. وبارك في الأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي الذي علمنا التدبر في الألفاظ والمفردات.. ونشهد أنهم قد عملوا بالقاعدة الأدبية القائلة: «علمٌ لا يُقال به، ككنزٍ لا يُنفق منه».. فنسأل الله أن ينفع بنا وبكم.. دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الألسن, حواف

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد