قَدْ يبدو الحَديث عَن النسويَّة في هذا الزَّمنِ العراقيِّ الصَّعب حديثًا غَرائبيًّا يَميلُ لِلمُقارَبات الفلسَفيَّة الَّتي تُعنى بِتفسير تَراجع أو انعِدام وجود الحَرَكاتِ النسويَّة الفاعِلة والجَّادَّة في العراق، لكن في الحقيقة ما أودُّ أنْ استعرِضه هُنا هُو بعض الوقائع لِتجليات النسويَّة في العراق بشكلها الفطريِّ الأوَّل الَّذي كان متواجدًا بوصفه مُكَوُّنًا اجتماعيًّا مقبولًا بِشكله البدائي؛ إذ كانت النسويَّة مُمارسةً فطريَّةً غَير مُعَنوَنَة بالحركات النسويَّة وَلَم يَتمْ تَبويبها ضِمن حَركاتِ التحرُّرِ والُمساواة، فَقَدْ عايشتُ تلك النسويَّة وكنتُ شاهدةً عليها وأنا أرى النساء القُرويَّات يمارسن حياتهنَّ بشكلٍ طبيعي وَفطري لَمْ يَكُن خاضعًا للفتاوى والتَّنظيراتِ الدينيَّة، فَقَدْ كانت رُؤية النِّساء وَهنَّ يَقْدن المَركَبات خُصوصًا (التراكتر) في الحُقول مَشهدًا عاديًّا ومألوفًا، لا يخضعُ للانتقاداتِ الاجتماعيَّة بَلْ صِفة محمودة لِمُشارَكة المرأة للرَّجل في المسؤوليَّة حتى إنَّ مصطلح (فحلَة) أو (زَلاَّمة) الَّذي تُوصَف بِهِ النِّساء القويَّات المسؤولات يُعد مَدحًا لِلمرأة القويَّة والناجحة في أداءِ عملها، وإذا أردنا الحديث عن مظاهر حُريَّة المرأة في الحياةِ الاجتماعيَّة نَجد أنَّ مَنظَر المرأة وهي تُدخِّن السيجارة مثلًا مشهدًا مألوفًا، يزيد مَن هَيبتها وَلا يتعارض مع أيِّ مفهومٍ من مفاهيم الشَّرف والاحترام؛ بَلْ عادة مُتَّبَعة وَمألوفة لَدى الكثير مِن نساءِ القُرى خُصوصًا النِّساء الكبيرات في السن مع إصرارهنَّ على التزيُّن بـ«الدگ» وهو ما يُعرَف اليوم بـ«التاتو» أي وَشْمِ الجِلد بِرسومٍ ورُموزٍ جماليَّة معيَّنة والتَّباهي بها واعتبارها زينة لابُدَّ منها للنِّساء بِمختلف أعمارهنَّ وأوضاعهنَّ الاجتماعيَّة،

وأمَّا عَن الاختلاط بين الجِنسَين فَقَد كانَ الاختلاط بين الرِّجال والنِّساء يَحدث تلقائيًّا ضِمن مُقتضياتِ الحياةِ الاجتماعيَّة، مثل العمل في الحُقول وأيام الحَصاد وَفي المآتم ومشاركة الرقْصات الشَّعبيَّة الاحتفاليَّة في الأعراس خُصوصًا رَقصة (الدَّبْكَة) الَّتي تجمع في الغالب الرِّجال والنِّساء من الأقارب.

وَكانت مُصافحة المرأة للرجال أمرًا طبيعيًّا، وكانت كلمة (استريح) بِمعنى التَّرحيب للدُّخول إلى المنزل للقيام بواجب الضيافة للمُستطرقين، كَرَمًا تُبادر بِهِ المرأة القُرويَّة العراقيَّة لِلقاصي والدَّاني؛ وَهو الأمْر الَّذي يَعُدُّه الكثيرون اليوم مِن المُحرَّمات في الدَّولة العراقيَّة الحديثة الَّتي تأسَّسَت في عشرينيات القرن الماضي، واتَّخذَت اليوم في هذا الوقت المتأخر من الحضارة مَسارًا رَجعيًّا لِتشهد ردَّة حضاريَّة غير مسبوقة بفعل اعتلاء الإسلام السياسي منصَّة الحُكْم، وصُعود الأحزاب الإسلاميّة ومبادئها الأصوليَّة، التي كفَّرت وقيَّدت مُعظم المُمارسات الاجتماعيَّة والحياتيَّة للمرأة وعزَّزت الوصاية الأبويَّة في تشريعاتها القانونيَّة واعتبرت ضمنًا أنَّ الحَرَكات النسويَّة مُوازية للماسونيَّة وُصولًا إلى مَنع إيجاد فرعٍ للدِّراسات النسويَّة في الجامعات العراقيَّة أُسوةً بِجامعاتِ العالَم.

وَفي مَعرض الحديث عَن التَكفير لا يَفوتني أنْ أذكر ما شَهِدته مُنذ بداية انتشار هذا التيَّار عام 2006؛ إذ كان أتون الحرب الطائفيَّة مُشتعلًا بَعد الاحتلالِ الأمريكيِّ للعراق، فَقَدْ وضَعَتني الصُدَف في قافلةٍ ذاهبة للحجِّ مع مجموعة من الحجَّاج، والَّذي صادف أنَّهم مِن قرية واحدة، وكانت حينها المرَّة الأُولى في حياتي الَّتي اسمع فيها بِمُفردة (مُشرِك) وكافر الَّتي ترَدَّدت أكثر من التَّسابيح في رِحلَة الحجِّ المُباركةِ تلك؛ إذ انبَرى أغلب الحجَّاج المُلتحين بجلابيبهم (الميني جوب) وكانوا شبابًا في الغالب بِتوزيع صُكوكِ الجَنَّةِ والنَّارِ والكُفرِ على العالَمِين؛ حتى إنَّهم كَفَّروا المسؤول عن حَمْلة الحجِّ القائمِ بالحَملة فيما كانت النِّساء تُواصل امتعاضها منهم؛ ولأنَّهن كُنَّ عمَّاتهم وخالاتهم وقريباتهم فَلَم يكونوا قادرين على تكفيرهن؛ لكنَّهم كانوا يمتعضون مِن اعتراضاتهم المستمرَّة وحتى شتائمهم الَّتي كانت تُثلِج قلبي، وأذكُر عندما شارَفنا على الوُصول إلى المدينة المُنوَّرة كيف انبَرَتْ النِّساء تُعَبِّر عن فرحهنَّ بالوُصول وَشغفِ مُلاقاة قَبرِ النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) حتى انبَرى أحدُ المُلتحين بدِشداشته القصيرة وقال لها رادعًا: زيارة ورؤية قَبر النَّبي شرك!

وَلَمْ يكنّ منهنَّ إلاَّ أنْ يَستَدرْن نَحوه ويَصِحنَ بوجهه كأجمل ثوريَّات في تاريخ النسويَّة: لَمْ نقطع كلَّ تلك المسافة لِنرى (لِحَاكم)! بَلْ لنِزور قَبرهُ المُبارَك والصَّلاة عِندَه.

وَلَمْ يتجرَّأ أحدُهم على رَدِهنَّ؛ ليس لأنَّهم اقتنعوا بِكلامهن؛ بَل لأنَّ المُحتجَّات كُنَّ عمَّاتهم وخالاتهم، ولم أكُن لأُفوِّت تلك اللَّحظة الَّتي شفَت غليلي لأسأل إحداهنَّ سُؤالًا غير بريء: أين درسوا هذه الفتاوى في أيَّة جامعة أو مدرسة؟

فأجابتني بِلهجتها القرويَّة: علَّموهم (بالشِوارع)..

وَعندما لَمَحَ أحد المُلتَحين ضِحكتي الصَّائتة قال بصوتٍ عالٍ لَعلَّه (يَهديني) إلى طريق التَّقوى فَقَدْ كُنتُ كاشفةً عن وجهي: النِّساء في زمنِ النَّبي كانوا يُغطُّين وُجوههنَّ كالغِربان..

وَدُونَ أيِّ تفكير قلتُ لَهُ ألا تكفي الغربان الَّتي معنا!

لَمْ تتوقَّف النِّساء عِند قبر النبيِّ فَحَسْبْ بَل رحْنَ يُخرجنَ صُرَّة أدعيتهنَّ الَّتي حمَلنها مِن العراق إلى الدِّيار المُقدَّسة وتباركن بالشَّجر والحَجَر.. فيما ظلَّ أصحاب اللِّحى يُطلقونَ صيحاتهم التكفيريَّة حتَّى يومِنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد