عندما يفتقد المرء قُدرة التصرف الواعي، تُصبح الحماقات منفذه الوحيد، وذلك عند رؤية المنشورات على «فيسبوك» التي بلغت حدًا لا بأس به من البلاهة، في وصف المرأة بالحلوى المكشوفة تارة، وبالتفاح المقضوم، والزجاج المكسور تارة أخرى! لا أدري كيف يُعقل وصف امرأة بكيانها وعقلها الذي يمتلك نحو 100 مليار خلية عصبية بهذه الجمادات؟ ما هذا إلا هراءً! قمة السذاجة التي يصل لها المجتمع حين يضع مقاييس الأخلاق لدى المرأة بناء على لباسها، كيف يُحكم عليها من لباس ومظهر! ولماذا نسبتم هذه السطحية للمرأة؟لطالما أيضًا نجد هذه الفئة من الرجال الذي يرى أن نسبة رجولته تقاس بمدى سيطرته وضغطه على النساء، وذلك بفرض اللباس عليهنّ بعيدًا عن أي منطلق ديني، من هنا يتّضح أن معظم الفتيات ترتدي الحجاب، واللباس الكامل، دون قناعة، أو وازع ديني، والذي ربما يتولد ليصبح فيما بعد عادة لديهن بعيدًا عن كونه عبادة لله، وذلك يعود في الغالب لطبيعة التصور عن الإيمان أو الفجوة ما بين البنات والآباء، هذا السبب نفسه الذي يجعل الكثير من الفتيات ينجرفن إلى خلع الحجاب!

أذكر عندما تعاقبتُ أنا وأبي حول ما يسمى بالجلباب منذ دخولي الثانوية، آنذاك كان زيّ المدرسة المعتاد هو (جلباب أو جينز)، ولكن كان هناك نظرة جانبية عن الجينز والادعاء أنه غير ساتر، لكن هذا المنظوم من الكلام لا يعتبر سوى ركاكة، فكنت أراه أستر من بعض الجلبابات بألف مرة، في الوقت ذاته كنت لا أستوعب وغير مقتنعة بفكرة الجلباب، لا يمكن أن أرتدي جلبابًا حتى لو كان فقط على المدرسة هذا ما كنت أقوله لنفسي، كنت أخاف أن أكبُر، وفضلًا عن ذلك كله لا أحد ينكر أنه ليس من السهل على المرء أن يخفي معالم جماله، فهذا شيء طبيعي جدًا، لطالما كل إنسان عاقل يمتلك العقل والقلب ينتابه هذا الشعور، سواء كان طفلًا،ًا أم شابًا، أم فتاةً، أو حتى عجوزًا، ومن هنا نخرج لنقول أيضًا إن الحجاب هو حقًا جهاد المرأة المسلمة، أتت مرحلة الجامعة، ليبدأ أبي من جديد يحادثني بشراء الجلباب كنتُ أشعر، وكأنني أتلقى صفعات، لربما أبالغ في الوصف، ولكن هذا ما كنت أشعر به حقًا، كان يقول لي باستمرار هذه الحوارات «يا بابا اللباس الطويل عفاف للمرأة ويحميها ويصونها».

في نهاية المطاف أبي تركني وشأني في طريقة لباسي، لكن بشرط بيني وبينه أن يكون ساترًا، أو يصل إلى الحد الأدنى من القبول، فهناك الكثير من اللباس الذي لا يصف، ليس شرطًا ان يكون جلبابًا، وأغلقنا النقاش، إلا أني فجأة من تلقاء نفسي ودون أي تخطيط قررت شراء جلباب! رأيت دهشة غلبت على وجوه أهلي وأختي، مع ملامح التعجب على أصدقائي المختلطة بالمزاح الذي يحمل بداخله التأييد والدعم، وذلك تبعًا لقول إحدى صديقاتي «عفكرة نور المسلمة أحلى»، وهذا بالرغم أن أغلبهن لا ترتدينه! لا أدري كيف أصبح اللباس الكامل يتزّين أمامي هكذا، ولا أخفيكم أني أصبحت أرى فيه منبِت أمان، ذهبتُ مسرعة لشراء أول جلباب ليأتي اليوم التالي، وأذهب به إلى الجامعة، ومن ثم أصبحت أقضي به الكثير من «الطلعات»، وأتشوق لشراء آخر وآخر حتى يتلاشى البنطال من ملابسي! وهنا في هذه الآية وجدت الوصف الذي لامس تجربتي الأولى قوله تعالى: «يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»، أي أنّه سبحانه ذكر الثياب وكنّى عنه بالريش، وذلك لما للطائر من جمال وإشراق حين ينطلق بريشه محلقًا في الفضاء،
أو مستقرًا على الشجر، أو ماشيًا على الأرض، وكأنني كنت طائرًا ولست أدري من أية قبيلة أنتمي!

ما دعاني لتدوين هذا الذي لربما يعتبر «مش مستاهل» لكثير من الناس أنه لطالما امتلكني شعور الإنجاز في مجتمع بعضه يرتدي الجلباب (تخصصت في تحديد الجلباب هُنا لأنه اللباس الدارج في محيطنا) على أساس أنه عادة، أو ربما إرضاءً لزوجها، أو خشيةً من كلام الناس. والبعض الآخر يدّعي أنه تقييد للفتاة ولحريتها، وبات مقلدًا للغرب لدرجة أنه لو أظهرت ثباتك على دينك أو على تراثك تُنعت بأنك رجعي، ولا تفهم في «الموضة»، وهذا ما يذّكرني بنظرية سوردل التي تقول: «إنه عندما يفهم الإنسان العربي أنه من جنس أدنى في الدرجة الثانية، ويعتقد أن الغربي من جنس أعلى من الدرجة الأولى، فإن علاقته به سوف تشبه علاقة الطفل بأمه، وفي هذه الجدلية العلاقة بين الأم والطفل، فالأم تنهرُ طفلها، والطفل يلوذ بحضن أمه خوفًا منها، وطلبًا للأمان، وهذه الجدلية تمحو نفسها بنفسها، وتصير عامل جذبٍ وتبعية، وعندما يحس العربي أنه غثاء وهباء، منتسب لدين مُنحط، ومجتمع مقزز، وثقافة فارغة، ونظام اجتماعي رجعي، وأنه لا يملك شيئًا قط، يحس تلقائيًا بالعار! ويتهم نفسه بأنه من عرق مُنحط، ومن أجل أن يدرأ عن نفسه هذه التهمة يتشبّه بالغربي، حتي يقول بعد ذلك: لستُ من هذا العِرق المتهم، إننى من صنفكم، ويتظاهر بأنه يشبههم، في حياته، وسلوكه، وفي تفكيره، وفي أسلوب عيش الغربي ككل، ومن هُنا تنتج ظاهرة التقليد الأعمى».

وفي بالنهاية أريد القول إن الايمان لا يكون في اللباس الكامل فقط، فهناك الكثير من النماذج القيمة لا تلبسه، ومع ذلك لا أحد ينكر أنه جزءًا لا يتجزأ من الإيمان ولكن لكل منّا طريقته الخاصة في تقربه من الله، ولا أنسى أن أشكر أبي لأنه بالرغم من إصراره على ارتدائي الجلباب، فإنه عندما انتويتُ تجربته وشراءه قال لي: «إذا مش مقتنعة فيه تشتريهوش».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد