منذ الإعلان عن اختفاء جمال خاشقجي، انطلقت بعض الأبواق السعودية أو التي ترتزق منها، تنادي بما تسميه (عدم تسييس القضية)، قائلين إن البعض – يقصدون كل من يدافع عن خاشقجي – يحاول استغلال القضية لتحقيق أهداف سياسية، أهمها الهجوم على السعودية ومحاولة تشويه صورتها.

المفارقة أن هؤلاء في سعيهم لعدم تسييس القضية، فإنهم أيضًا لم يجعلوها قضية إنسانية، أو يتحدثوا في جوانبها الشخصية والجنائية، فكل ما كان يشغل بالهم هو تبرئة المجرم من جريمته، أما قضية اختفاء شخص نفسه، وكل ما يترتب عليها من مأساة إنسانية وعائلية فلا تشغل بالهم على الإطلاق، بل كانوا أول من طعن بخاشقجي وشوهوا صورته بكل الطرق الممكنة، وشمتوا في اختفائه، وهددوا باقي المعارضين في الخارج بنفس المصير، لكن بعد تفاقم الأزمة والمأزق الخطير الذي وجدوا أنفسهم فيه، تقمصوا دور الحملان وأصبحوا يستجدون الاستعطاف عبر الدعوة لعدم تسييس القضية، واتهموا المطالبين بمعرفة مصير خاشقجي بأنهم يتمنون أن يعلن عن وفاته حتى يهاجموا السعودية، مع أنهم لم يهتموا أصلًا من البداية بمصيره. وحتى بعد الإعلان السعودي عن مقتله داخل القنصلية، لم نجد منهم أي انتقاد أو عزاء للفقيد، بل إشادة بشجاعة وشفافية السعودية في إعلان الجريمة! واحتفاء بولي العهد السعودي الذي يعد المشتبه به الرئيس في الجريمة، أليس هذا تسييسًا فاضحًا ومبتذلًا وإجراميًا؟

المفارقة الأخرى في قصة التسييس أننا إزاء جريمة سياسية فعلًا، فنحن نتحدث هنا عن نظام سياسي استهدف اغتيال كاتب صحافي يتحدث في الشؤون السياسية، بهدف سياسي بحت، ألا وهو إسكات صوت هذا الكاتب إلى الأبد؛ لأنه كان يؤثر على جهود هذا النظام في دوائر صنع القرار داخل الولايات المتحدة. كما أن اختيار مكان الاغتيال جاء لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، فالرياض لم تكن لتجرؤ على أن تفعل ذلك داخل سفاراتها أو قنصلياتها في الدول الكبرى، مثل أمريكا، أو بريطانيا، أو كندا، أو فرنسا، أو حتى روسيا والصين، لكنها اختارت تركيا لأنها تعلم أن علاقاتها مع تركيا ليست في أحسن حالاتها، وأن الأخيرة من الممكن أن تتردد في الدخول في مواجهة معها حول القضية حتى لا تخسر الاستثمارات السعودية وعائدات السياحة القادمة منها، خاصة مع الأزمة الاقتصادية التركية وتدهور قيمة الليرة، كما أنها أرادت الطعن في كفاءة أجهزة الأمن التركية وإرسال رسالة مفادها أن إسطنبول غير آمنة للمعارضين، بالإضافة إلى إرسال رسالة إلى جميع المعارضين في كل مكان أن المملكة قادرة على أن تأتي بهم من أي مكان بالعالم. كل تلك الخلفيات السياسية كانت هي البنية الأساسية للقضية. وحتى عندما اضطر النظام السعودي للاعتراف بمقتل خاشقجي، لم يستطع أن ينكر أن الجريمة كانت لدوافع سياسية؛ إذ أقر بوجود أوامر دائمة بإرجاع المعارضين من الخارج، وحتى إذا سلمنا بأن فريق الاغتيال تحرك من تلقاء نفسه بدون أوامر عليا، وهو أمر يستحيل تصديقه طبعًا، فإننا في الحالتين أمام دوافع سياسية للجريمة. وعندما حاولت السعودية تدارك الأزمة الكبرى التي وقعت فيها، فإنها حاولت من وراء الكواليس تقديم عروض وتنازلات كبيرة لتركيا في ملفات سياسية، مثل سحب دعم الأكراد، وفك الحصار عن قطر، وتقديم حزمة استثمارات كبيرة لإقناعها بإغلاق ملف القضية وتسويته.

يتضح من ذلك أن الذين يستنكرون (تسييس القضية)، إنما يسيسونها هم بمحاولتهم تبرئة السعودية من دم خاشقجي، وأن مجرد الحديث عن جوانب القضية الجنائية فقط سيقود إلى من أصدر الأوامر بالقتل، هو ما لا يريد هؤلاء حدوثه.

اللافت أيضًا أن قسمًا من الرأي العام العربي كان يعيب على تركيا تريثها في إعلان نتائج التحقيقات وممارستها للعبة التسريبات وممارسة الضغوط السياسية على السعودية لحملها على الاعتراف، وهي إجراءات أجبرت السعودية بالفعل على الاعتراف بمقتل خاشقجي داخل القنصلية، ولو أن تركيا كانت قد أعلنت ما لديها منذ البداية لكان ابن سلمان قد استغل ذلك لتصعيد الأمور بينه وبين تركيا لصرف النظر عن الجريمة الأصلية، بل حاول البعض الطعن في طرفي الأزمة والمساواة بينهما باعتبارهما طرفين لا يحرصان على إظهار الحقيقة، وهو أمر ثبت عدم صحته مع الإصرار التركي على معرفة الحقيقة والوصول إلى الجناة ومن أمرهم بذلك، أو (من أسفل السلم إلى أعلاه) بتعبير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه حول القضية. ولذلك يمكن القول إن محاولة مساواة الطرفين ببعضهما هي تطهرية زائفة تحاول اعتزال ما تظنه أنها فتنة، إما خوفًا من بطش السلطة المتوحشة، أو ناتجة عن مفاهيم مغلوطة عن السياسة نفسها.

تبدو محاولة (التبرؤ من السياسة) في جريمة خاشقجي من كافة الأطراف وكأنها نأي بالنفس عن مستنقعاتها، وكأنها شيء ينبغي تجنبه وعدم الحديث فيه أو الاعتراف به، وهو يذكرني بما كانت تقوله بعض التيارات والشخصيات التي تنتمي إلى ثورة يناير (كانون الثاني) في مصر، عندما تحاول أن تساوي بين العسكر والإخوان عبر القول إن الطرفين يسعيان إلى الوصول إلى السلطة! وكأنه أمر معيب، رغم أن أحد الطرفين يحاول الوصول إلى تلك السلطة عبر صناديق الانتخابات، فيما قفز الآخر على السلطة بجنازير الدبابات ومنع الإخوان وغيرهم من مجرد الحديث في السياسة. ولازال هذا الخطاب موجودا بقوة في تلك الأوساط، فيما يؤشر على أننا سنبقى كذلك في وضعنا البائس حتى إشعار آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد