خلق الله عز وجل الإنسان في هذه الدنيا، وميزه عن باقي الكائنات بالعقل ليميز بين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب بهذه النعم التي منحها الله لنا، وبحكم تسارع أحداث الحياة بمختلف مجالاتها، سعت البشرية نحو الأفضل وهذا ما نشهده اليوم ونحن في  عصر التطور والسرعة مقارنة بالعصور القديمة.

حقًا نعيش حياة متطورة ومريحة ولكن فقط بأدواتها ووسائلها! لا أحد منا ينكر هذه الحقيقة، ونتفق أيضًا على صعوبة الخوض في تأمين حياة كريمة تتطابق مع أحلامنا الوردية، لذلك نرى تمايز الطبقات في المجتمع، فهناك الفقير ومتوسط الحال والغني والأغنى وهذه الفوارق من سنن الحياة.

نسير في هذه الدنيا وفق نظام معين تبعًا لحياة كل شخص فينا، وإذا خرجنا عن هذا النظام تبدأ المشاكل المادية والاجتماعية… إلخ عندما كنا صغارًا لم نكن نعلم أن هذه الحياة مرتبطة في تفاصيلها وفق النظام الذي سنسير عليه عندما نكبر فنحن قادة المستقبل، وكأي إنسان عاقل أسير وفق هذا الروتين، وهذا النظام الذي تربيت في كنفه وتحت ظله وهددني أكثر من مرة في حال تخليت عنه، أو سعيت لتغييره أو حتى أن أطالب ببعض الراحة، وأتمتع بفترة من الحرية والتخلص منه.

ما زلت شابًا ولم أتحمل القدر الكافي من المسؤولية، لأنني لم أتزوج بعد وأنا أدرك أن الروتين ينصحني بالزواج، ليس حبًا بي بل من أجل توسيع صلاحياته وقبضته الحديدية على أنفاسي، بعد الزواج سيجعلني أسيرًا لطاعته وسيهددني مستقبلًا بزوجتي وأولادي وكل ما أملك من أشياء ثمينة، كما يقوم اليوم وفي أجمل فترات حياتي بامتصاص رحيق شبابي، جالسًا أمامي متلذذًا ومستمتعًا بانشغالي في تأمين متطلبات الحياة وتحمل مسؤولياتها.

لطالما همس بأذني بصوت منخفض، سأجعل حياتك عبارة عن أحداث ومواقف متشابهة ومملة وشديدة التعقيد سأجعلك تعيش أيامك مملة لا جديد فيها، سوى الموت الذي سيخلصك مني، والذي لا أتمناه لك لتبقى تحت سيطرتي ورهن أوامري، الروتين بهذه الخطط التي يطبقها علينا هو يتلذذ بالنجاح الذي يحققه، ولكن لا بد لهذه المعاناة أن تنتهي ونسير وفق ما نريده نحن لا ما يريده هو.

الاستيقاظ من النوم في الساعة ذاتها، وتناول الطعام ذاته دون تغيير والانشغال بالدراسة اليومية، وتكرار الأفعال نفسها والذهاب إلى العمل يوميًا دون أخذ قسط من الراحة، والتحدث مع الأصدقاء ذاتهم كل يوم، هذه الأمور تشعر الإنسان بالإحباط، وتصوره بأنه عبد لمسؤوليات هذه الحياة وأسير لروتينها الممل.

مهما كان الإنسان ناجحًا في حياته، ويسير ضمن خطة تتناسب مع ما يريد، ويحقق الكثير من الإنجازات ويلقى الثناء والشكر على ما ينجز في حياته، سيأتي ذلك اليوم وتلك اللحظة التي سيجلس فيها بينه وبين نفسه، ليتنفس بحرية مطلقة ويتمرد على هذا الضغط وهذا الروتين المدعوم بمسؤوليات الحياة.

ولكن لم يدرك هذا الروتين وبعد كل الممارسات التي يمارسها، والخطط التي يختبرها علينا، أن هناك ثورات كثيرة ستقوم ضده بهدف تغيير هذا الطريق والتخلص من أسره.

الإنسان بطبيعته يحتاج إلى التغيير والتجديد والتطور المستمر، لأن الحياة تتطور يومًا بعد يوم، وتحتاج لنشاط وحيوية للاستمرار بها، وتحقيق المزيد من الإنجازات.

الرغبة في القضاء على الروتين تحتاج إلى العزيمة القوية والإرادة الفاعلة، فالحاجة إلى التغيير تنبع من عقل الإنسان وقلبه، والذي اعتاد على الروتين ينظر للحياة نظرة تخلو من الإيجابية والتفاؤل كما نعلم.

ومن أدوات ووسائل ثورتنا على هذا الروتين:

أولًا – الإيجابية والثقة بالنفس: تعتبر الثقة بالنفس حافزًا قويًا، ودافعًا لتحقيق تغيير في شتى المجالات في حياتنا، بالإضافة للمزيد من الإيجابية بشكل عام، والواثق من نفسه بإمكانه صنع وتحقيق المستحيل لتغيير نمط حياته للأفضل.

ثانيًا – تحديد الأهداف: عندما يكون للشخص هدف واضح ومعين في حياته يسعى جاهدًا لتحقيقه، وبالتالي تحقيق الهدف يستوجب تغيير روتيننا الحالي والممل لتحقيق نتائج أفضل.

ثالثًا – التخلص من الأفكار السلبية: يعتقد البعض أن تغيير الروتين أو نمط حياتنا الحالي يحتاج لكثير من الإمكانيات الضخمة، ونقوم بشكل لا إرادي بتضخيم هذه الفكرة في عقولنا، لتصبح عائقًا بوجه تغيير هذا الروتين، ولكن هناك عادات بإمكاننا تغييرها بكل سهولة مثل التحدث مع أشخاص خارج محيط الأسرة، وبناء علاقات اجتماعية جديدة، وتغيير عادة الذهاب إلى العمل بالسيارة والذهاب بالحافلة ولو مرة واحدة بالأسبوع، وهناك أمور أخرى كثيرة.

رابعًا – الرياضة واللياقة البدنية: تعتبر ممارسة الرياضة من الأمور الرائعة والفعالة في القضاء على الروتين، وخاصة عند تقسيمها لأوقات مختلفة، لكسر الملل والتمتع بالمزيد من الإيجابية والتغيير.

خامسًا – العلاقات الاجتماعية والتفاعل: بناء علاقات اجتماعية والتفاعل والتشارك مع الآخرين من الأمور الفعالة في خلق جو ممتع ومريح مع الآخرين، وتبادل الخبرات والقصص وشحن النفس بالمزيد من الإيجابية، وكسر الملل والروتين الذي يسيطر علينا، بالإضافة لتخصيص يوم لقضائه مع العائلة، والتنزه في الهواء الطلق بعيدًا عن ضغط العمل.

سادسًا – التفكير المتجدد المتفائل: التمتع بهذه الميزة سيوفر عليك الكثير من التعب والإرهاق، وسيخلصك من قبضة روتينك بأسرع وقت، لأن الأفكار المتجددة هي عدو الروتين والملل.

في نهاية المطاف تغيير الروتين ونمط حياتنا الممل يعتمد علينا شخصيًا، وطريقة أسلوبنا وكيفية التعامل مع مختلف مواقف الحياة التي تواجهنا، سواء كان موقفًا إيجابيًا أم سلبيًا، لن يأتي أحد لتغيير حياتك وطريقة تفكيرك إن لم تكن أنت القائد والمبادر دومًا لتحقيق الأفضل، توكل على الله واجعل التغيير والتجديد هدفك، وعدم الاستسلام للروتين من ضمن أولوياتك، ولنبتعد عن النمطية وسلبياتها وعن الإحباط الذي تسببه لنا، ولنحظَ بحياة ملؤها السعادة والتفاؤل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موضوع
عرض التعليقات
تحميل المزيد