إنني لا أدري حقيقة أي شيء، فإن قصد الشكاك والمنكرون إمكانية المعرفة بقولهم: (لا أدري) الشك أو إنكار إمكان معرفة حقائق الأشياء، فأنا منهم، بل كل الناس شكاك أو منكرون. أما إن قصدوا مظاهر الأشياء ومخابرها، فإني بريء منهم وهم برآء مني.

يقينًا يمكنني أن أعرف الكثير؛ لأني أولاً عرفت كيف أمسك بالقلم لأكتب عن أمور عدة بكلمات كثيرة ذات حروف أكثر: فأنا أعرف ما تفعله حروف لغتي إذا ما أضيفت إلى بعضها بميزان أعرفه جيدًا، كما يعرفه غيري ممن أعرف أنهم يفهمون لغتي تلك، لتكون تلك الحروف كلمات أعرف تأثيرها في نفسي ونفوس من يقرأ تلك الكلمات.

كذلك أني أعرف الأسماء التي تشير إليها كلماتي، وأعرف كثيرًا عن أسماء تلحق بمسميات تلك الكلمات، نعم لا أعرف حقائقها، ولا جواهرها وذواتها، ولكني أستطيع ـ في حالات كثيرة ـ أن أنتج حكمًا معرفيًا على نسبة بعض الأسماء إلى بعض، بل إني أخلع ـ كثيرًا ـ أحكامًا ذاتية على موجودات خارجية، ويتفق الناس معي على تلك الأحكام، وهذا يدل على أن ثمة قانونًا معرفيًا واحدًا يربط بين بني الإنسان على الأقل، إن لم يكن رابطًا بين مدارك الموجودات كلها.

لن أطيل وقوفي طويلاً ـ الآن ـ عند مسألة البحث عن القانون المعرفي العام؛ فلم أزل غير متأكد من مقدرتي على بحث ذلك الأمر، ولكني أذكر نفسي بأن عدم معرفتي ـ أو شكي في معرفتي ـ أني أقدر على شيء لهو دليل قاطع على معرفتي بظواهر قدرتي، وهذا يعني أيضًا معرفتي بوجود قدرتي التي لم أحط بعد بكل جوانبها المخبرية، فضلاَ عن عدم معرفتي المطلقة بحقيقة تلك القدرة.

سأطرح البحث القانوني جانبًا؛ لأبدأ في تصنيف مصادر المعرفة التي يمكن أن أستقي منها معرفتي، وأطلق على أثر معطياتها أحكامي الإنسانية، إما بكوني إنسانًا، وإما بكوني أنا أنا.

إن مصادر معرفتي ـ فيما أعرف ـ ثلاثة:

آلة (الحس).

مثال (العقل).

نداء (القلب).

لقد أصدرت أحكامًا فكرية بناء على أي من هذه المصادر المعرفية، وأكثر هذه الأحكام ـ حقيقة ـ كان خطأ، ولكن كثيرًا منها أصاب.

التفاتتي يوم صرخ في أحدهم يومًا: احذر؛ لأجدني على شريط قطار يقترب مسرعًا، وتمثيلي إضافة نيوترون إلى نيوترون بأنه يساوي نيوترونين بما تحقق لدي من أن إضافة إصبع إلى إصبع يعني وجود إصبعين، والنداء ـ الذي لم أتمكن أبدًا من تيقن مصدره ـ بأن كذا سيكون فيكون.

كثير من هذا وذاك وذلك صح، والأكثر لم يصح، غير أني أبدًا لم أستطع الجزم بصحة حكمي المبني على أي من هذه المصادر، إلا بما عاينته حواسي من حيث كوني إنسانًا، وليس من حيث كوني أنا أنا؛ لأن الحواس قد تكذب على الأنا، ولكنها لا يمكن أن تكذب على الإنسان!

ولكن هل ذلك يعني أنني لا يمكنني أن أتأكد بمثالي أو ندائي من حيث كوني إنسانًا، لا من حيث كوني أنا أنا؟

ذلك الأمر ليس مألوفًا حقيقة، لاسيما فيما يتعلق بالمعرفة الندائية؛ إذا هو متحقق بكثرة، هي دون الكثرة الكاثرة للحواس، ولكنه ثابت معاين، على الأقل فيما يتعلق بالطبيعيات من البحث الأنطولوجي، ولكن يشكل الأمر فيما يتعلق بالميتافيزيقا كثيرًا، أما في المعرفة الندائية فإنه يندر كثيرًا، وإن لم ينعدم؛ إذ إن قضيتي (الألوهية) و(الربوبية)، والبحث عن الحق فيهما، يعد من هذه المعرفة الندائية التي يمكن أن ندلل بها على إمكانية الحكم الإنساني، وليس الأنوي، على الحكم الصادر عن المعرفة الندائية بالصحة أو الكذب.

وإذا كان الإنسان يشترط في الحكم الحسي الإنساني على الحكم المعرفي بالصحة أو الكذب المعاينة/ المشاهدة، إذ لا تقبل شهادة حس لم يعاين، ولا يطعن بقوله على حس المجموع المعاين/ المشاهد، فلم لا يكون ذلك شرط ـ أيضًا ـ فيما يتعلق بالمعرفتين المثالية والندائية، بل هو شرط ـ فعلاً ـ في الحكم المثال؛ إذ لا تقبل شهادة غير أهل الاختصاص العلمي/المثالي في الطعن على أهل الاختصاص بمجرد الرأي باستبعاد قولهم، فلعل الحكم على المعرفة الندائية يفتقر إلى شرط المعاينة أيضًا، ولطالما تحدث المهتمون بالبصائر إلى أنه لا يدرك مراد البصيرة/النداء غير ذي البصيرة.

سواء أكان ذلك حق أم لا، فإن الحس ـ بما هو آلة للحكم بالصحة أو الكذب على الحكم الناتج عن المصدر المعرفي ـ إنما هو وسيلة لتقويم الحكم، لا إنشاء الحكم، الذي هو من عمل الفكر، الذي أعرف مظهره، دون حقيقته، ومن ثم فإن تكذيبه للحكم؛ لمجرد عدم إدراكه له لا يعني بالضرورة صحة تقويمه، كما لا يعني كذب تقويمه أيضًا؛ لأنه حكم غير مبني على المعاينة/الشهادة، وإنما هو مبني على عدم المعاينة/الشهادة، وعدم المعاينة الحس الأنوي أو الإنساني لا ينفي وجود الشيء؛ إذ الحس الإنساني في أكثر مراحل حياته لم يعاين الكهرباء، ومع ذلك لم تنف عدم المعاينة وجودها وأثرها.

نعم إن الحس لا يمكن أن يكذب على الإنسان بما هو إنسان، أي: الإنسان في مجموعه، ولكنه من الممكن ألا يعطيه حكمًا نهائيًا في مسألة بعينها، وحينها تجد كثيرًا من الناس يقومون بمغامرة غير محسوبة بالتصديق أو التكذيب على الحكم من قبل الوهم أو الهوى، وكان من الأجدر ـ وقليل من يفعل ذلك ـ أن يتوقف الناس في هذه المسألة عن الحكم عليها تصديقـًا أو تكذيبًا، وإرجاء الحكم ليوم يستطيعون فيه أن يعاينوا المحكوم عليه فيصدروا حكمهم عن معاينة، أو أن يعاين أحدهم ذلك فيستوثقوا من صدقه، ثم يكون الإيمان بقوله خير من التوقف، حتى إشعار آخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد