لتكن البداية من آخر المواضع التي حلت فيها الأزمة اليمنية ووضعت رحالها، ففي الأسبوع الماضي كان هناك اتفاق ومبادرة. أما الاتفاق فكان في العاصمة اليمنية صنعاء بين طرفين من أطراف النزاع، أو إن شئت فقل خصمين من أمراء الحروب في اليمن؛ فرقتهم الدماء والحروب بالأمس، لتجمع بينهم السياسة والمصالح والسلطة اليوم. المخلوع صالح والحوثي.

ست حروب طاحنة راح ضحيتها آلاف من الجنود والمدنيين قتلى وجرحى وشُرد مثلهم وأضعافهم، كل هذا الركام من الأشلاء، وتلك الأنهار من الدماء، وذلكم الخراب والدمار، اجتازه الطرفان بعد أن كشفا عن بشاعة سوءاتهما، وخلعا عنهما كل المبادئ، وانسلخا من كل القيم ليجعلوا منها جسرًا يدوسونه ليعبروا إلى مبتغاهم، في أبشع صور التخلي عن الآدمية للتردي في طور المغولية  دون أي مبالاة بالدماء، أو اكتراث للضحايا، أو اهتمام لحياة مئات الآلاف التي دمروها وهم يعبرون. لقد خاض الأول منهما – المخلوع – عندما كان على رأس السلطة،  ضد الآخر –الحوثي – حروبًا متعددة فقد الأخير فيها أباه وأخاه المؤسس للجماعة ناهيك عن مئات من التابعين لأمره، فقد كان يقود تمردًا سياسيًا فهو يرى أنه الأولى بالحكم لا لكفاءته أو لرقي مستواه التعليمي – حاشا لله – فهو لم يتجاوز الثانوي أصلًا، فضلًا عن أن يكون لخدمة الناس أو القيام على مصالحهم، وإنما لجيناته الوراثية التي اصطفاه الله بها ليكون السيد الحاكم بأمره.

ينص الاتفاق بين شركاء اليوم مجرمي الأمس على إنشاء مجلس سياسي أعلى لإدارة البلاد التي لم يتبقَ منها جراء حكم الأول ثلاثة وثلاثين عامًا، وحروب الأخير المتعاقبة؛ سوى الخراب والدمار والبطالة والفقر والمرض والموت الذي يلاحق اليمنيين بسبب تردي الأوضاع الإنسانية والمعيشية للشعب. وقد صدر عن مبعوث الأمم المتحدة لليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد مشكورًا قول وفعل؛ أما القول فقد صرح أن هذا الاتفاق يشكل خطرًا على محادثات السلام الجارية بالكويت برعاية الأمم المتحدة، وأما الفعل فقد مدد مهلة المفاوضات أسبوعًا آخر، بعد مفاوضات ماراثونية دامت لأكثر من ثلاثة شهور تحت سمعه وبصره، لم تسفر إلا عن زيادة في آلام وأوجاع اليمنيين، حيث قتل من قتل، وجرح من جرح، من جراء المعارك المتواصلة، والقصف الوحشي للحوثي-صالح على المدنيين في عدد من المحافظات اليمنية، ومن نجا من هذا أو ذاك وقع في ما هو أسوأ، فهو يرزح تحت وطأة أوضاع لا إنسانية قاسية، تصبح فيها الحاجات الأساسية للحياة أمانيَ وأحلامًا، وكل هذا بالطبع لا يعني لولد الشيخ وأممه المتحدة شيئًا، ولا يهز لهم شعرة، أو يرمش لهم جفن.

أما المبادرة فقد تقدم بها ولد الشيخ وتستند إلى قرار الأمم المتحدة 2216، وتنص على تسليم الحوثيين للسلاح الثقيل، والانسحاب من تعز والحديدة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، بالإضافة إلى إلغاء كل القرارات والهيئات التي ترتبت على انقلاب 21 سبتمبر الذي قاده الحوثيون. ففي الوقت الذي وافقت شرعية الرياض على المبادرة، أعلن الحوثيون رفضها مباشرة، فقد ولدت ميتة وتمخض ولد الشيخ بعد تسعة شهور تقريبًا من بعثته لليمن فولد فأرًا ميتًا. وقد سبقت المبادرة مبادرات من أبرزها «المبادرة الخليجية»، وتقدم الاتفاق اتفاقات كان آخرها وأوقحها اتفاق «السلم والشراكة» بين الشرعية والحوثيين. فلا ينقص اليمن مبادرات ولا يحتاج إلى اتفاقات، فلا الحوثي يلتزم، ولا الأمم المتحدة تُلزم، ولا الشرعية تعاقب، ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

فالمخلوع مُمثلًا بحزبه المؤتمر مراوغ، ويعتمد دائمًا على إدخال الأطراف الدولية والإقليمية كما فعل في «المبادرة الخليجية»، وذلك لابتزاز دول الإقليم ماديًا وفي المقدمة السعودية، والمتاجرة بقضايا اليمنيين دوليًا تحت غطاء الأمم المتحدة، بالإضافة إلى إطالة أمد التفاوض، وتشابك الأطراف المحلية، وتعقيد المشهد، وصولًا إلى ضرب الأطراف ببعضها البعض؛ فهذه هي عادته، وهذا هو أسلوبه، وتلك خطته منذ أن تولى السلطة مرورًا بالوحدة ثم حرب الانفصال وانتهاءً بثورة الشباب 21 فبراير، وطبعًا لا يمكن أن ننسى أو نغفل الدور المحوري للأحزاب المعارضة والتي تتماهى وتتقن معه اللعبة جيدًا وفي مقدمتهم «التجمع اليمني للإصلاح».

أما الحوثيون فأبرز ما يستمدون منه قوتهم بعد سيطرتهم على الأرض، تخاذل وضعف أداء الشرعية وحكوماتها الثلاث المتعاقبة، فقد تمددت الحركة بسرعة على الأرض، ثم سيطرت على المعسكرات والمحافظات واحدة تلو الأخرى وصولًا للعاصمة صنعاء، يجرون في ذيولهم الموت والخراب، والشرعية لم تحرك ساكنًا، وما حركته كان في صالح الحوثي-صالح. فالحوثي الذي وقع أكثر من خمسة عشر اتفاقًا، لم يلتزم بواحد منها، ببساطة لأن أمره ليس في يده، وقراره لا يأتي من رأسه بل من إيران، وهم يعترفون ويتبجحون بذلك، ولا يجدون في ذلك غضاضة أو حرجًا. وفي كل مرة يقدم فيها الحوثيون مبرراتهم الواهية لخرق الاتفاقات والمبادرات، تهديهم الشرعية والأحزاب التي معها، اتفاقًا ومبادرة جديدة لينتهكوها من جديد، كما حصل يوم اجتياح عمران الذي نقض به الحوثيون كل عهودهم ووعودهم ومواثيقهم السابقة، وبعد أن مثّلوا بجثة اللواء القشيبي – رحمه الله -، ووصلوا للعاصمة صنعاء كانت الشرعية بانتظارهم لتفيض عليهم من الشرعية، وتمنحهم الغطاء السياسي الذي يسترون به كافة ممارساتهم وجرائمهم السابقة تحت مسمى اتفاق «السلم والشراكة»، ليبتلع به الحوثي-صالح بعد ذلك ما تبقى من مؤسسات الدولة وعُدتها وعتادها. وهنا يقدم المشير عبد ربه منصورعقل المارشال وقلب الأسد – كما يلقب – نموذجًا في الاستبسال والدفاع فيفر إلى عدن ثم إلى المكلأ ومنها إلى عُمان وصولًا إلى المملكة العربية السعودية يجر الحوثيون في ذيوله ومعهم الدمار والخراب. وقد مضى عامان وفخامة المشير منصور عقل المارشال وقلب الأسد يقيم في السعودية منذ أن أُخرج، وأخرج الشعب معه بخفي حنين، وليعود الشعب وحيدًا من حيث بدأ، ولكن هذه المرة في الشقيقة الكويت.

فالشرعية متخاذلة منذ البداية هذا في أحسن الأحوال، وإذا أحسنا الظن بها وبمن فيها، فرأس الشرعية كان نائبًا للمخلوع على مدار خمسة عشر عامًا، ولا يُعرف عنه حزم ولا ربط، وعندما وعد المخلوع بتسليم السلطة لأيدي أمينة وآمنة، سلمها لعبد ربه ولم يرتض سواه، وظل رأس الشرعية الرئيس عبد ربه ورئيس الحكومة الحالي والسابق والذي قبلهما وأغلب الوزراء والقيادات التي في الرياض في نفس حزب المخلوع وتحت قيادته حتى ساعة الناس هذه، دون أي حياء أو حتى من باب المحافظة على الشكل الظاهر كخصوم سياسيين. فلماذا لا يحل حزب المخلوع المؤتمر كما فعلت بقية دول الربيع العربي؟! ولا سيما وهو المظلة التي مارس ويمارس تحتها المخلوع فساده في قتل اليمنيين ووأد مستقبلهم. ولماذا لا يزال الرئيس الشرعي ورئيس الحكومة وأغلب الوزراء وقيادات الشرعية في هذا الحزب المشبوه حزب المخلوع وتحت قيادته؟! ولماذا لا تقوم الحكومة بدور فاعل في السياسة الخارجية؟! لإقناع المجتمع الدولي بعدالة القضية وصدقها أم أن فاقد الشيء لا يعطيه. ولماذا هي لا تقوم بدورها في تأمين المناطق المحررة؟! أم أنهم لا يجيدون سوى تقديم الاتفاقات والمبادرات للحوثيين، ولماذا لا تقوم بواجبها نحو شعبها في تلك المناطق؟! بدل أن يقوم الحوثي بمعالجة جرحى المقاومة الشعبية في تعز، ولماذا لا تعود لبلدها بدلًا من العيش في المنفى؟! على الأقل لتعيش ما يعيشه الشعب. هذه الأسئلة وغيرها لن تجد لها إجابة، لأنها وللأسف لا تعني الشرعية ومن فيها، فهم يعيشون في الرياض، والذي يعنيهم هو الريال.

وأما الأمم المتحدة فلم يحصل اليمنيون منها إلا على إطالة أمد الصراع والنزاع والموت والخراب والدمار. فالأمم المتحدة لا تحل نزاعًا، ولا تفض اشتباكًا، ولا تسمن ولا تغني من جوع. وقد جرب اليمنيون والعرب عمومًا حظهم مع الأمم المتحدة منذ القدم ولم ينالوا خيرًا، ففي حرب 94 كان الأخضر الإبراهيم مبعوثًا إلى اليمن، والقضية الفلسطينية منذ خمسين عامًا وهي تدور في أروقة ومكاتب الأمم المتحدة الفاخرة، وسوريا وليبيا ومن قبلهم لبنان في الحرب الأهلية… والقائمة تطول والتجربة خير برهان. فبالأمس القريب كانت المباردة الخليجية وكان جمال بنعمر مبعوثًا للأمم المتحدة، والذي لعب دورًا في تمكين انقلاب الحوثيين أوضح من الشمس في رابعة النهار، ثم جاء المبعوث الثاني ولد الشيخ ليواصل ما ابتدأه زميله بنعمر. فالأمم المتحدة لا تحل قضية، ولا تنصر مظلومًا، ولا تأخذ على يد ظالم، ولا تسمع لجريح، ولا تأبه بمكلوم، ولا تغيث منكوبًا، ولا تقتص لمقتول، ومن يعلق عليها آمالًا بعد كل هذا فهو كطالب في الماء جذوة نار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن
عرض التعليقات
تحميل المزيد