يمر العام الخامس على الثورة وقد تغيّر كل شيء، ورغم هذا يأبي الحلم العنيد أن يرحل عن أذهان البعض؛ فالثورة في بدايتها كانت منهجًا ودينا يجمع بين كل الطامحين للحرية والعدالة في هذا البلد، بعد أن كسرنا حاجز الإيمان بالسلطة وعبادتها التي وجدنا آباءنا وأجدادنا لها عابدين، وبعد تضحياتٍ بالآلاف من الدماء الطاهرة وُصفنا بأننا مجرد “عيال صيّع” يريدون الخراب والدمار للبلاد.

فتركنا المجال للعجائز الباريين، واختزلنا أنفسنا على الإنترنت، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي السلاح والأداة المحركة لوجداننا والمعبرة عن أصواتنا، وبعد أن كنّا نغزو الميادين ونحرر البلاد من الظلم، أصبحنا نسعد ونهلل بالانتصارات الهامشية، فنفرح وتنقلب الأوساط ضجيجًا لخروج معقتل من ضمن ألف من المعتقلين الذين لا نعرف مصيرهم حتى.

ساد مرض الخوف من جديد بعد شفائنا منه، ولكن زاد عليه اللامباله بما يحدث، وكما تعلم يا عزيزي فإن انضمامك للحشود لن يكلفك شيئًا, أما وقوفك منفردًا فسيكلفك كل شيء، وقد رأينا أن من لم يركب المركب غرق وانتهي، وكلما أرادنا تفريغ كبت الصمت، اختلقنا وجودا لأناسٍ يدعمون السلطة وجعلنا منهم أصنامًا نصب عليهم جام غضبنا لتفادى الصدام المباشر مع السلطة المستبدة،ومع الوقت تركنا العمل السياسي واتجهنا للعمل الحقوقي كالعاجزين.

كنا نظن أننا في هذه الظروف لا نسطيع التمييز جيدًا بين الصواب والخطأ، بين الهزل الذي أصبح واقعًا والجد الذي بات غريبًا، حتى ظننا أنه عصر الفتن.

كانت دائمًا تأخذنا هذه الحيرة التي تمنع من التحرك والمضي قُدمًا في أحد الاتجاهات، أو حتى تبني فكرة واتخاذها مسارا واضحا وسط كل هذة التناقضات، لكن بعد فترة تبيّن أن هذة الحيرة ليست بسبب غموض الوضع وانعدام الأفق، وإنما بسبب حيرة نفسية مفادها: “هل يمكنني تكبّد ثمن تفكيري ودفع تكلفة السير في هذا المسار؟” فإذا كان الجواب بنعم، فأهلا بك في منزلك الثاني طره، وإن لم يكن كذلك فيمكنك التطبيل أو ممارسة الغباء السياسي وادعاء عدم الفهم إلى أن يقضي الله أمرا.

ولم تعد المقاومة “الطرية” والمواجهه “بالحب” كافية لردع جنرالات يبرتعون على فوّهات الدبابات وأرتال الجيوش، لم يعد التذبذب في المفاهيم واستخدام مصطلحات مرنة، والخوف من تسمية الأشياء بمسمياتها -كانقلاب مرنوما إلى ذلك- كافيًا لمواجهة وجوه تعفّنت من النفاق والكذب، وإطلاق مصطلحات الخيانة والعِمالة على كل ما هو ثائر ضد ظلمهم.

يجب علينا الاعتراف أننا حقًا قد قمنا بالثورة، ولكنها كانت ثورة حمقاء، فاكتفينا بقطع شجرة الاستبداد، ولم نقتلع جذورها، فلم تلبث أن نبتت ونمت وعادت أقوى مما كانت عليه سابقًا، كان من الواجب في ٢٥ يناير الإطاحه برأس السلطة، وهي المؤسسة العسكرية، وليس ذيلها مبارك، فظل النظام من بعد الثورة، وحتى الآن، يعيد بناء حائط الخوف، حتى كاد يكتمل، حاول تكريس الهزيمة النفسية في النفوس، فالهزيمة النفسية تورث التردد في الحق، والثقة بها تورث الثبات على الباطل، وهذا الثبات هو السبيل الوحيد لبقائه في السلطة.

أما الآن، وقد وجب الخروج من الليل – وذلك هو الجزء الأصعب- فمثلما تعتاد العيون على الظلمة، يعتاد العقل على عبادة الأوثان والسلطان، ويعتاد الإنسان الحُرّ على الكوابح والقيود.

لكن، في الواقع يا عزيزي، لم تعد فكرة التضحية الساذجة اللازمة لتحرير الوطن كافية لإقناع الشباب الحر بالنزول للتغيير، فالشباب رأى بعينه الموت، وقام بالكثير من المفارقات بين فكرة التضحية بالنفس من أجل وطن سيلفق له “لفافة البنجو والحشيش” في فمه بعد موته أو سيجعل منه إرهابيًا مغيبًا عن الواقع، وبين الهجرة من هذا المستنقع برمته، والعيش غريبًا في وطن يحترم آدميته وكرامته.

 
فاليوم يختلف تمامًا عن ٢٥ يناير منذ ٥ أعوام، عندما كان الشهيد بطلا، وكان موته يستحق التغيير، لن يتحقق التغيير إلا بثورة، ولن توجد ثورة، إلا إذا توفرت الإرادة الكافية لإخضاع كل هذه الظروف.

وهذا الشعب إذا قام لن يُبقي على أحد كالسابق، لن يرحم، لن يتحلى بالسلمية لأنهم قد قتلوه وشرّدوه وحبسوه وعذبوه، سيقتل من يقتله ويسحل من يسحله، لن يعبأ بمن دعموه كالسابق، حتى الغرب الذي غيّر وجهته عن دعم الديمقراطية، وأيقن أن لا اتزان للشرق الأوسط، بدون ديكتاتوريات قائمة بالقوة والفساد، فلم يعد مع الثورة ظهير خارجي، أصبحت وحيدة وليدة قابعه في القلوب تنتظر من يوقظها.

كل ثورة ولها قادتها ووقودها، لا يجب أن نتأثر بميل البعض أو انحرافهم عن المسار حتى ممن كنا نحسبهم من دم الثورة، سيتغيّر كل شيء، فالثورة دائمًا ما يولد من رحمها قادة ومفكرون وساسة يحملون لواءها، ستوجد الثورة الكثير من حملة الرايات حتى تجعل القاصي دانيا وتقصي الداني عنها، فقد قضت الحياة دائمًا أن يكون النصر لمن يحتمل الضربات وليس لضاربها. وإلى ذلك الحين، دعونا ندعو الله أن يرحم كل من لن ينحني ويبقى حيا على قيد الأمل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد