على هامش المداخلة السريعة لمنتخب مصر في كأس العالم، حصل الشناوي حارس مرمى المنتخب على جائزة أفضل لاعب في مباراة أوروجواي، ورفض اللاعب استلام الجائزة لأنها مقدمة من شركة خمور. لو كنت مكان الشناوي لرفضت الجائزة، ولن أكترث من قريب أو بعيد أن ينعتني الدكتور خالد منتصر بالرجعية أو التخلف؛ فثمة بون شاسع بين وجهتي النظر.

ولم يأتِ خالد منتصر بجديد؛ فهو يدندن على هذا الوتر الرخيص ولا يمل، وأوقف قلمه ولسانه للنيل من الإسلام، وقد سبقه كثيرون فما أفلح لهم سعي ولا ماءهم أبقوا ولا درنهم أنقوا. وشاءت الأقدار أن يتزامن ذلك مع ذكرى رجل سلك ذات الدرب، رجل هام على وجهه في طريق مقفرة، واهتدى بسراب سلامة موسى وأبي العلاء المعري وغيرهما؛ إنه جميل صدقي الزهاوي. ولعلك تسأل الآن صديقي القارئ سؤالًا مهمًا: ما علاقة خالد منتصر بذكرى الزهاوي؟ والجواب يأتيك في طيات هذا المقال؛ فلا تعجل علي وليسعني حلمك.

حياته الخاصة

ولد جميل في 18 يونيو (حزيران) 1862، ونشأ في بيت من بيوت الفقه في بغداد؛ فأبوه محمد فيضي مفتي العراق، وأخوه أحد فقهاء بغداد المبرزين، وينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد، أما لقب الزهاوي فمرده إلى أن جده هاجر إلى زهاو من أعمال إيران، واستقر بها وتزوج منها فنسب إليها. رفض جميل أن يعيش في جلباب أبيه؛ فورث عن أمه الحدة وسرعة الغضب، وتمرد على سلطان الدين في الأسرة، وعقد عزمه على رفض القديم.

في بواكير حياته كان بليدًا لا يتقدم في الدراسة، وبعد ثلاث سنوات في الكتَّاب حفظ جزء عم، وغلب عليه اللعب وكثرة الحركة. درس التركية والفارسية وقرأ لأبي العلاء والمتنبي وتفسير البيضاوي، كما قرأ البؤساء لفيكتور هوجو، والكوميديا الإلهية لدانتي، وأولع بالفلسفة وكتب العلم القديم. في سن الخامسة عشرة نظم شعرًا ركيكًا، وكان أبوه يشجعه لينظم ولو شطر بيت، ويجزل له العطاء كلما قال كلمات منظومة ولو كانت عقيمة المعنى.

في سن الخامسة والعشرين أصيب الزهاوي بمرض في النخاع الشوكي، ثم أصيب بالشلل في رجله بعدها، وهو ما زاده حدة وسخطًا على العالم من حوله. في سن الثلاثين بنى الزهاوي بالسيدة زكية هانم وهي ابنة 16 سنة، ولم يولد له ولد؛ فكان لذلك أثر في نفسه، واختار الزهاوي لنفسه منهجًا لم يحد عنه، وهو ما ينشط له خالد منتصر على موقع أهل القرآن، وكذلك مقالاته في الصحف وما يلوكه لسانه على الشاشات؛ فلا يجد فرصة إلا وطعن في الدين، وليس هذا عشك فادرجي.

توفي الزهاوي في 24 فبراير (شباط) 1936، عن عمر ناهز الثالثة والسبعين، بعد حياة تلاطمت أمواجها بين السخط والامتعاض والتمرد. وعن نفسه يقول الزهاوي: «كنت في صباي أدعى بالمجنون لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي بالطائش لخفتي وإيغالي في اللهو، وفي كهولتي بالجريء لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي بالزنديق لمجاهرتي بآرائي الحرة الفلسفية».

النشاط الأدبي

أخذ الزهاوي على عاتقه الدفاع عن سفور المرأة، والدعوة لنزع الحجاب مع الاستخفاف بالدين، وكانت له آراء صادمة للمجتمع العراقي. في عام 1910، طفق الزهاوي ينادي المرأة بالخروج عن مألوف عادة المجتمع، ولم يسبقه في العالم العربي إلا قاسم أمين؛ فالزهاوي أول شاعر عربي يعطي قضية المرأة قدرًا ضخمًا من الاهتمام. ارتكزت دعوة الزهاوي لتحرير المرأة على تزيين السفور للنساء، ومحاربة تشريع تعدد الزوجات، والتهكم على طريقة الزواج، والدعوة لتعليم المرأة، والمناداة بمساواة المرأة بالرجل. كانت عواقب دعواه أشد خطرًا عليه مما كانت على قاسم أمين، وتعاورته ألسنة الناس وكادوا يقتلونه؛ فلزم بيته مدة خائفًا يترقب. لم يتراجع عن مواقفه وكان يصنف نفسه ضمن من يحاربهم العالم في حياتهم، وتنبأ لنفسه بالخلود بعد موته في عقول الناس وأفئدتهم.

ليس ترقى الأبناء في أمة ما لم تكن قد ترقت الأمهات
أخر المسلمين عن أمم الأرض حجابٌ تشقى به المسلمات

اصطدم الزهاوي بالسلطان عبد الحميد، وهاجم حكم آل عثمان؛ مما أوقعه في مآزق كثيرة، وزاد الطين بلة مدحه للإنجليز قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى واحتلال الإنجليز للعراق. خسر الزهاوي معاركه مع الأنظمة، ولم يفلح في أن يصبح شاعر البلاط؛ فقرر أن يُشعل نيران حنقه في كل صدر.

يقفز إلى ذهني وأنا أكتب عن شعراء العراق ابن الرومي، ثم يلتمع اسم نازك الملائكة وهما يشتركان مع الزهاوي في حدة المزاج والتشاوم والسوداوية، ويلحق بركبهم أبو حيان التوحيدي ويرمي عن قوسهم. دفعت شراسة هؤلاء إلى تحييد المجتمع لهم، وعدم الاحتفال بهم أو الجلوس إليهم؛ فعانوا التضييق والتهميش؛ مما زاد كآبتهم وانعكس على حياتهم بكل صورها. سولت له نفسه أنه سبق جيله، ولم يلق من التكريم ما يستحقه، وأنه تعرض للاضطهاد نتيجة لأفكاره الجريئة ونظرته التحررية.

وما زلت في جو من الفكر طائرًا ومن عاداتي أن لا أطير مع السرب

أما الأستاذ أحمد حسن الزيات فيقول: «إن فكر الزهاوي أقوى من خياله، وأسمى من عاطفته، وليس له الأذن التي تموسق (من الموسيقى) الشعر، ولا القريحة التي تصنعه؛ فاللفظ قد لا يختار، والوزن قد لا يتسق، والأسلوب قد لا ينسجم، لكن الفكرة الحية الجريئة تعج بين الأبواب المتخاذلة عجيج الأمواج المزبدة بين الشواطئ المنهارة. كانت بداياته تتأرجح بين النثر والشعر، ولم يتمكن من الشعر إلا بعد أن علت به السن، وكان مولعًا بمصادمة المألوف، ومحاربة أهل الدين ومهاجمة الحكام».

الشرق ما زال يحبو وهو مغتمض والغرب يركض وثبًا وهو يقظان
والغرب أبناؤه بالعلم قد سعدوا والشرق أهلوه في جهل كما كانوا

خشى الزهاوي أن يُرمى بالجمود؛ فأغراه ذلك بالمبالغة في التجديد، حتى أنه كما يصف الزيات لم يقرأ في موضوع علمي أو فلسفي إلا وأقحمه في الشعر! فأدخل البروتون والنيترون والإلكترون والأثير إلى الشعر، ويرى أنه لا غضاضة في الخروج على بحور الخليل، والمهم عنده التجديد في كل شيء وبأي وسيلة، ولا ضير أن يبتكر كلمات ليوصل ما عنده من معان.

سئمت كل قديم عرفته في حياتي إن كان عندك شيء من الجديد فهات

أحب الثناء وكره النقد؛ فكان لا يصبر على النقد ويرد في غيظ وكراهية، وكانت دموعه طوع أمره، ودخل في خصومات كثيرة جرَّها عليه النقد وضيق صدره، وآلة الرياسة سعة الصدر؛ فتسرعه في الرد خنق نطاق انتشاره في الوسط الأدبي.

بين الزهاوي والرصافي

هذه القصة لم أقف على مصدر موثوق لها، ولكن نوردها للاستئناس فحسب لما يرتبط بها من دلالات، وهي تشير للتنافس الكبير بين الزهاوي والرصافي؛ ومفادها أن أحدهم سأل الزهاوي عن رأيه في أمير الشعراء فأجاب متهكمًا: «شنو هذا أحمد شوقي؟! ما هو بشي! تلميذي الرصافي يقول شعر أفضل منه». إن صحت هذه القصة فهي تؤكد حجاب المعاصرة، ولكن الثابت أن الزهاوي سئل عن الرصافي فقال: «هو مني بمنزلة هارون من موسى»، وقد اشتركا في الجرأة على المعتقدات ونظام الحكم والنظم الاجتماعية السائدة.

اقرأ أيضًا: مقال أمير الشعراء.. بين شوقي والعقاد

أما الزيات فله رأي مغاير؛ فكان يصنف الزهاوي على أنه معري العصر، في حين أن الرصافي أبو نواس وقته؛ فالزهاوي كان يحافظ على نفسه من الظهور بمظهر يقلل من شأنه في عيون العامة، أما الرصافي فعاش حياة عارية صاخبة بالمتع والخمر، ولم يتستر مما فعل من لهو وتصابٍ، وبالغ في استهتاره بالدين والقيم والتقاليد. كما وصف النقاد الزهاوي على أنه أديب عالم، بينما الرصافي فنان أديب، والمدهش في شأن الرصافي أن أستاذه الآلوسي كان يعده ليخلف الصوفي الزاهد معروف الكرخي، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

والزهاوي شاعر كبير، ويعد أحد أوتار الشعراء الخمسة في القرن العشرين: أحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، وحافظ إبراهيم، ومعروف الرصافي، وخليل مطران. يقف الزهاوي واحدًا من كبار شعراء العراق الأربعة مع محمد مهدي الجواهري، وعبد المحسن الكاظمي، ومعروف الرصافي.

والشعر ما عاش دهرًا بعد قائله وسار يجري على الأفواه كالمثل
والشعر ما اهتزت منه روح سامعه كمن تكهرب من سلك على غفل

الملحمة الأخيرة للزهاوي

يُرمى الزهاوي بالإلحاد بعد كتابته لملحمة ثورة الجحيم، وقبل هذه الملحمة كانت آراؤه الجريئة تضعه موضع الشك، وقد صرح في هذه الملحمة بما لا يدع للتأويل مجالًا. الملحمة من أقدم الأنواع الشعرية عند الأمم القديمة، ومن أغنى الآداب العالمية، وفيها يتغنى الشاعر ببطولة شخص ما أو مجموعة أشخاص. قيمة الملحمة تستمد من الموضوع الذي تعالجه الملحمة، ويكون واضح المغزى ويضم خوارق العادات، كما تعتمد على الوصف والحوار والاستطراد. لم يعرف العرب فن الملحمة قبل ترجمة سليمان البستاني (1865– 1925) لهوميروس، وجاء من بعده أحمد محرم ونظم الإلياذة الإسلامية، ومن بعدهما بولس سلامة الذي سطر عيد الغدير وعيد الرياض.

في الجاهلية عرف العرب الملحمة معرفة جزئية، ولم تتبلور عندهم الفكرة الملحمية كما نعرفها اليوم، وجلجامش التي ظهرت في بلاد الرافدين أول ملحمة عرفتها الحضارة الإنسانية، ثم كتب هوميروس الإلياذة والأوديسا، وكتب فرجيل الإلياذة، ودانتي سطر الكوميديا الإلهية، ورد أبو العلاء المعري على ابن القارح برسالة الغفران، ثم كتب ميلتون الفردوس المفقود، ولابن شهيد الأندلسي رسالة التوابع والزوابع، وللفرس الشهنامة وللهند المهارباتا.

ملحمة الزهاوي نظمها على قافية واحدة وتتألف من 24 مقطوعة، ويزور خلالها الزهاوي الدار الآخرة بدءًا من القبر، ويحاور الملكين منكر ونكير ويسخر منهما، ثم يتهكم على المعتقدات، ويدخل الحجيم ويلتقي بأبي العلاء، ويستمع لمحاضرة سقراط في الجحيم، ويصافح منصور الحلاج ويقنع أهل الجحيم بالثورة على ملائكة العذاب، وينتصر أهل الجحيم على الملائكة!

وكما يقول العربي الأول «يداك أوكتا وفوك نفخ»؛ فإني أنقل عن الزهاوي قوله:

كان إيماني في شبابي جما ما به نزرة ولا تقصير
غير أن الشكوك هبت تلاحيني فلم يستقر مني الشعور
ثم آمنت ثم ألحدت حتى قيل هذا مذبذب مغرور
وتعمقت في العقائد حتى قيل هذا علامة نحرير
ثم إني في الوقت هذا لخوفي لست أدري ما اعتقادي الأخير.

ولما عاتبه الملك فيصل على هذه الملحمة المنظومة في 345 بيتًا، قال الزهاوي: «عجزت عن إضرام الثورة في الأرض؛ فأضرمتها في السماء». أحدثت الملحمة ضجة في الشارع العراقي، وهاجمه الخطباء على المنابر، والعلماء في الصحف، لكن الزهاوي كان يطرب لبيع نسخها في وقت قياسي!

سلامة موسى وجميل صدقي الزهاوي وخالد منتصر فكر واحد وسكة واحدة، أناس وضعوا الدين خلف ظهورهم ولهثوا خلف الغرب جملةً وتفصيلًا، ولهؤلاء نقول: «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ»، ونقول: «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ».

فدع عنك الكتابة لست منها ولو لطخت وجهك بالمداد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد