في زمنٍ طغت السياسةُ فيه على كلِ شئ، نادرا ما يخلو مجلسٍ من حديثٍ فيها، لكنه الوباءُ حين يصيبُ جسدًا فإنه يتسللُ إليه رويدا رويدًا حتى يستحوذَ عليه.

صرنا على أعتاب الذكرى الخامسة لثورة يناير، سنواتٌ خمس حدث فيها تغيير لم يحدث لعقودٍ طويلة، لكنني هنا كي أتجول بعيدا عن أروقةِ السياسة، كي أبحثَ عن هالة النورِ تلك التى فقدناها في المسير.

كنتُ في الثامنة من عمري، أي منذُ ما يقربُ من خمسةِ عشر عاما، حينها قالَ لي صديقٌ لوالدي: “عندنا لقاء أسبوعي الأسبوع الجي”، كانت كلمةُ لقاءٍ أسبوعي غريبة الوقع مجهولة المعنى حينها، ذهبتُ في الموعدِ المحددِ لأجدَ عددًا آخر ممن هم في نفس عمري أو أكبر مني قليلا، كانت تلك هي المرحلة الأولى في رحلتى مع لقاء الأسبوع، يتبقى فقط أن أخبركم أن ذاك الشخص الذي دعاني كان يقوم بمهمته التي وُكل بها نظرا لانضمامه لجماعة الإخوان المسلمين.

اللقاءُ الأسبوعي، ذاك النهرُ الذي صرتُ أنهلُ منه أعواما طويلة، حين كنا نتنقلُ بين أشجارِ القرآن والحديث والتفسير، فنبتعدُ عن العالمِ ساعةً أسبوعيا تعيننا على المسيرِ إلى الأسبوع القادم، وكان لقائنا ذاكَ موعدًا لمحاسبةَ الذات وتقويم المعوج!

لم يقتصر حديثنا حينها على القرآن والحديث، لكن صرنا نتجولُ في صفحات التاريخ، فتعلمت عن سير الصحابة شيئا ليس بالقليل، وعرفتُ أن هناكَ شيئا يسمى قضيتنا الكبرى واسمها “القدس”، وكان يأخذنا الحديثُ أحيانا إلى أمريكا واحتلال العراق، كنا نرى أنفسنا جزءًا من عالمٍ أكبر لا يقتصرُ على الحدود التي رُسمت لنا.

كان اللقاءُ الأسبوعي أو الأسرة – كما يُسميها البعض – نشاطا ضمن أنشطة جماعة الإخوانِ المسلمين، هدفت من خلاله لتربية النشء وزرع قيمٍ لا يختلفُ عليها عاقلان داخلَ هذا النشء، وكان هذا الدور منتشرًا في القرى والمدن، فأينما ذهبت وجدت من يأخذُ بيدك، ولم يحدث طول السنين التي حرصتُ فيها على ذاك اللقاء أن تحدثنا في أمرٍ من أمورِ السياسة، كنا في منأى عن ذاك الحديث باستثناء ما ذكرته مسبقا حول فلسطينَ والعراق إلى أن جاءت الثورة!

وهكذا تمرُ السنون شيئا فشيئا، ويبدأ عالمُ الفضائيات في التوسعِ والانتشار وانتشرت قنوات عدة، اقرأ والناس والرحمة والرسالة وغيرها، وجميعها كانت تلتقي على الطريقِ أوقاتا كثيرة، وصار لقاءُ الأسبوعِ موجودًا في كل منزل بداخلِ التلفاز!

كان كلُ ما سبق كفيلا بأن يجعلَ المجتمع في حالةٍ من التوازن، فكنت ترى الجيد والسيء، لا يغلب أحدهما الآخر، فكان المجتمعُ في حالةٍ أخلاقيةٍ مقبولة.

لكنها خمسُ سنواتٍ فقط وقُلبت الأمورُ رأسًا على عقب، قامت الثورة، انشغل الجميعُ بالسياسةِ كما انشغلَ المسلمون بالغنائمِ يومَ أحد، صارَ اللقاء الأسبوعي منصةً أخرى للحديثِ في السياسة، وصارت الفضائيات منبرًا للسياسةِ أيضًا، وبدأ المجتمعُ في التهاوي والسقوط شيئًا فشيئًا.

بعد خمس سنواتٍ فقط، تستطيع أن ترى الفارقَ جليًّا، تستطيع أن تُقيم ما وصل إليه المجتمع، تستطيع أن تعرفَ ماذا سيحدث إذا اختلَ الهرم الغذائي! حدثَ هذا مع انتشارٍ أكبرٍ للإنترنت، وتوسع الأفلام في نشر الإسفاف، حدث هذا حين صارت السياسة هي وجهةُ الجميع.

هل ترى الآن من هم في سن العاشرة؟ وهل تتخيل ما وصل إليه حالنا؟ جيلٌ كاملٌ ينمو مصحوبًا بجهلٍ لا يجد من يمحوه، جيلٌ كاملٌ لا يجدُ من يرشده ويأخذ بيده نحو الطريق.

ذهب اللقاء الأسبوعي أدراج الريحِ وذهب أثره، اختفت الفضائياتُ حين كانت منبرا وظهرت مكانها برامج العهر الإعلامي، اختفى كلُ ذلك وظهر جيلٌ ينذرنا بمستقبلٍ كارثى!

نعم، نحن نتجهُ من السيء للأسوأ ومن المصيبةِ للكارثة ومن فساد جزئيٍ للنشء إلى فساد جيلٍ كامل نشأ بعيدًا عن أروقة التربية، فالمدرسة – وجميعنا يعلم – لم تعد شيئا يُعولُ عليه، فمن يُقومُ تلك الأجيال التي سنجدها بعد سنين قليلةً من الآن شبابا يُمثلون واجهةَ المُجتمع.

نعم، أنا أخشى من المستقبلِ كثيرًا، أخشى من المستقبلِ الذي سأرى فيه من هم في المراحل الابتدائية والإعدادية الآن وقد صاروا شبابا، أخشى هذه الأيامُ كثيرا ولا أستطيعُ تخيلها.

أتحدثُ هنا عن الصورةِ كاملة وليس عن حالات استثنائية يمكنك أن تجدها هنا وهناك، أتحدث عن السواد الأعظم في جيل بأسره.

من المسؤولُ حقا عما وصلنا له؟ أهي الدولة! أما أنها الثورة؟ أم أنه الجهل الذي أحاطنا؟
لا أدري من المسؤولُ حقا، لكن ما أدركه جيدا أننا جميعنا مسؤولون عما وصلنا إليه وعما سنصلُ إليه قريبًا، وجميعنا سيدفعُ الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد