ظلمٌ وموتٌ ثم شماتة
في السنوات الستة الماضية رأينا جميعًا تغيراتٍ مرعبة في المشهد السياسيّ، أحداثٌ متقلبة وسريعة إلى الحد الذي يجعلنا نقف دقائق مطولة لنفهم ما هو الصواب وما هو الخطأ، لكننا حقيقةً لم نفهم أبدًا. لم يفهم أحد، إلا أن هناك كثيرين ممن حسموا أمرهم واتخذوا صفًا ضد أخر، صف ضد صف. في السنوات الأخيرة رأينا ما نسميه ظلمًا بينًا، لا أعلم صدقًا لماذا يراه البعض شيئًا إلا ظلمًا!

تحدث د. أحمد خالد توفيق في مقالٍ بعنوان (دعني أخدعك.. دعني أنخدع)، عن أن القارئ يقبل بعض الأفكار الغير مقبولة أبدًا في الروايات لكي تدور الأحداث وليأخذ الخيال مساره. أما وإننا في الحياةِ الواقعية فلا أظن أننا نملك تلك الرفاهية، لا يمكننا أن نقول تعالوا ننخدع بأننا ننعم بالحياة وبأننا سعداء في هذه البلاد، لا نشعر بالرعب كثيرًا من أن نُزج بالسجون، نعم نحن لسنا كذلك.

شاهدنا في أول السنوات الست الماضية سقوط أحد رؤوساء هذه البلد، ليس غريبًا أبدًا على بلدٍ يعاني من تقلب الأوضاع السياسية كل ثانيتين، لكن الأمر لم يكن بسيطًا كذلك. لماذا لم نصبر أربعة أعوام فقط على رئيسٍ انتخبناه أو دعنا نقل جاء بالصدفة؟ آسفون؛ لأننا لا نحب الدين والمتدينين، ولأن هؤلاء الجماعة ليسوا إلا حمقى يريدوننا أن نصلي، رباه ما هذا الكفر الذي يدعونا إليه هؤلاء!

2013، لماذا يُسجن رئيس؟ الإجابة الأفضل هي كلمات د. أحمد عنه: كان طيبًا حسن النوايا محدود القدرات بلا شك. لم يعرف وقتها أنه يتلقى كرة من النار الملتهبة، وأن الكل سيحاربه بشراسة، وأن محطات فضائية كاملة ستكرس 24 ساعة للسخرية منه ولعنه، وأنه لن يرى يومًا سعيدًا واحدًا، حدث تمامًا ما قاله د. أحمد، حدث تمامًا كما هو.

رُبما يكون فاشلًا في القيادة فعلًا، لكنه لم يحظ أصلًا بفرصة المحاولة، أي طرفٍ من أطراف الدولة كان يدعمه؟ لم يكن هناك أي أطراف في الصورة تؤيده، تعاونت الدولة بأكملها على تخليص البلاد من ظلم الدين، يا للغباء! نعاني من بعبع التدين.

دعونا ننظر للصورة بشكلٍ آخر لا نتحيز فيه لأحد، خُلع رئيس ظل يحكم البلد لـ30 سنةً متواصلة. بدأت محاكمته لتهمٍ كثيرة لا يختلف الكثيرون على تورطه فيها، لكن السؤال المهم هو، كيف كان يُعامل؟ إجابة بسيطة وسهلة، لم يُلق في زنزانة انفرادية، كما أنه لم يُمنع من الطعام الأدميّ، وأخيرًا لم يُمنع من العلاج.

هناك رئيس آخر تم عزله بعد عامٍ واحد فقط لأنه لم يكن عسكريًا كالطراز الذي نحبه، المهم حتى لا نحيد عن المضمون، كيف تمت معاملته؟ كأي أسيرٍ في دولةٍ مُظلمة، حبسٌ انفراديّ، لا مقابلات مع العائلة، طعامٌ لا يُعلم مصدر له، لا علاج، وأخيرًا لا كلام! فقد الرجل الإبصار بعينه اليُسرى، عانى من أمراضٍ بالكبد والسكر وضغط الدم إلى جانب قصور في وظائف الكلى، أين الطبيب؟ لا أطباء، طالب المحكمة حتى بالعلاج على حسابه، لكن السجن لم يسمح رغم موافقة المحكمة. من لم ير تلك المُلابسات بأنها ظلمٌ مقصود فهو كالمنخدعين بخيالات الرواية.

17 يونيو (حزيران) 2019 مات الرجل في محكمته، مات مرسي وهو في المحكمة داخل قفصٍ زجاجيّ، ولم يستطع أصدقاؤه من المتهمين بنفس القضية أن يحملوه حتى عندما أغمي عليه، لماذا؟ لأنه لم يكن ذلك العسكري المهووسين بحكمه منذ 60 سنة. لماذا؟ لأنه ارتكب جرمًا بأنه لم يقمع أحدًا، لم يُغلق قناة، لم يمنع أحدًا من السخرية، ولم يُلق بنا في سلة غلاء الأسعار، لأنه فعل كل ذلك استحق ميتةً بهذه البشاعة.

لتكن الدولة منصفةً معه أكثر، لم يسمحوا لأحد بالصلاة عليه، ولم يسمحوا حتى بدفنه في بلده، ولا بأن يراه بعد موته إلا أسرته. دُفن في مقابرٍ بعيدة عن قريته تحت حراسةٍ شديدة، لم يكتف النظام بذلك فقط، بل خرج الإعلام يَشمت ويُشمت الناس في الرجل، يَشمتون ويُشمتون الناس في رجلٍ ظُلِمَ في السجن، بل يَشمتون ويُشمتون في رجلٍ لم يأخذ أبسط حقوقه – بعد الموت – في أن يُصلى عليه.

لا أؤيد طرفًا ضد أخر فالحقيقة أنني حتى هذه اللحظة لا أفهم شيئًا، لكنني أستطيع التفريق بين صورتين، هناك رجل عاش 30 سنة كحاكم، وما زال يُكمل حياته الآن إلى الثمانين من العمر ويتلقى علاجه كما يريد تمامًا، بينما كان هناك رجل لم ير الحكم إلا عامًا وقُتل قتلًا في ست سنوات كعقابٍ على كونه متعلمًا غير عسكريّ، ثم مات في الستينات من عمره. لا أرى ذلك إلا مشهدًا مرعبًا لموت الثورات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد