قيل: الأسطورة تعيش في المجاز، والمجاز يعيش في اللغة والشعر.

الخيال والميثولوجيا كُنَّة الأدب، والأدب والرسم والموسيقى والفنون كل ذلك انسحار الإنسان بالسحر الكامن في الأشياء، الانسحار هو فعل تجاوزي سمُوّي غير دنيوي نوعًا من التجاوز والعلو من الانعتاق ومفارقة الطبيعة. هو في بداياته فعل علماني طبيعي، بوعي أو بغير وعي يتفاعل الإنسان مع ما حوله، فتبدأ رحلة التجاوز من الحسي المحدود إلى الغيبي المطلق، سواء سمى الإنسان ذلك تجاوزًا وعلوًا أم لم يسمه، هو عجينة من الدَّنيوي والعلويَّ (بمعنى كائن ذي بعدين)، الأول تغوص أقدامه في الأرض، والثاني مشرئب العنق إلى السماء، وما بينهما شعور وتسامي ورهبة وسمو وحزن وتأمل ومحبة وإيمان، وكل ذلك همزة وصل بين الأرض والسماء، بين الأقدام والعنق المشرئب، بين الإنسان بشقيه المادي والروحي، الإنسان المؤنَّسن، والإنسان الإنساني، والتفاعل بينهما هو فعل الإنسان فيما حوله ومعرفته بماهيته وذاته.

حينما يغفل الإنسان عن إيصال كل ذلك التجاوز والشعور إلى مُبتغاه ومنبعه الأول، هو بذلك كمن يحني برأسه إلى مستوى قدميه، لا تسمو روحه بقدر ما تغوص قدميه في وحل الدنيا، فكلما أوشك به الشعور أن يرفع رأسه إلى الأعلى، أصرَّ إلا أن يستخدمه في إطلاق المتعة لقدميه أكثر فأكثر، وهو بذلك يغوص كثيرًا مبتعدًا عن أصله، وربما مع الوقت علت أقدامه على رأسه، وصارت أقدامه من تُسيّر عقله، والأقدام هنا هي صورة مجازية سبق واستخدمها عبد الوهاب المسيري وهي تُعبر عن مادية الإنسان والجزء الأرضي منه، بينما العنق المشرئب إلى السماء هو صورة ما يسمو ويعلو بالإنسان عن أرضيته و دنيويته.

رفع إبراهيم عليه السلام عنقه بعد أن ملّ النظر إلى قدميه، فأوصله ذلك التجاوز والسمو إلى الشمس والقمر والنجوم، ثم رفع رأسه أكثر فأكثر فرأى برهان ربه، إذ حتى الشمس والقمر والنجوم جعلهما إبراهيم ما دون رأسه فأعدهما من الدنيويات، تجاوزًا فخمًا وعلوًا كبيرًا، فكان من إبراهيم ما قرأنا، نبيًا من نسله علت أُمم، وجاء الأنبياء والرسل يعلّون ويرتقون في العلو، حتى كلم الله موسى ورفع عيسى وأكمل للإنسان علوه في أُمية محمد.

حقيقة الإنسان في وجوده الدنيوي، هو صراع توازن بين غوص الأقدام واشرئباب الأعناق، بين التجاوز والعلو وبين الإخلاد إلى الأرض، فأيما جانب غُلب على الآخر اختل توازن الإنسان، وسرعان ما تظهر في حياته ومجتمعه الأزمات والتشوهات والصراعات، فتحسب الأقدام أنها ماضية نحو الخلود، وتحسب الأعناق أنها ذاهبة نحو الشهادة، فلا خُلِد الإنسان ولا نال الشهادة، إذ هو بالخلود نسي أصله الأول، وبالشهادة نسي حقيقته الثانية.

في محاولات كثيرة سعى الإنسان إلى أن يفهم ويفسر حقيقة ذلك التجاوز، هل هو موجود؟ إلى أين يؤدي؟ إلى من يؤدي؟ ما تأثيره على هذا الكون؟ لماذا على الإنسان أن يتجاوز؟ ما الذي يضيفه التجاوز للإنسان إذا ما حققه؟

على مر العصور ظلت تلك الأسئلة تشغل تفكير البشرية، والحقيقة أن مجرد التفكير في هذه الأسئلة دون التوصل إلى أي نتيجة، هو بحد ذاته علو وتجاوز، وإثباتا من الإنسان أنه كائن متجاوز، حتى وإن لم يكن ذلك التجاوز بشكل عمودي، فالتفكير درجة من درجات السمو، والتفكير في بداياته هو نوعًا من أنواع الصعود، إلا أنه قد يتأفقن ذلك التفكير إذا ما أطال الإنسان النظر إلى قدميه متناسيا السماء، فيمتد ذلك التفكير بشكل أفقي يأخذ شكله النهائي دائرة مغلقة، لا يسمو الإنسان فيها إلا بقدر قطرها، وإن حدث وتجاوزها فمن مناظير مادية ما تلبث أن تصطدم بنظرتها الأفقية مهما بلغ ذلك التجاوز.

ففلاسفة اليونان مثلًا تساموا حينما تفلسفوا، فقالوا: مادة، سائل، أثير، أفكار، ذرات لطيفة، روح حارة، بل إن شعورهم بذلك العلو جعل البعض منهم يُعظم الفلاسفة دون الناس، فكان الفيلسوف يحتل الرتبة الثانية بعد الإله أو العقل المدبر، ثم جاء من بعدهم أرسطو وأفلاطون وديكارت، فكان تجاوزهم أعلى وأسمى من سابقيهم، فقالوا كائن عاقل، ورغم ذلك العلو والسمو والبحث الذي يعد من فطرة الإنسان وتركيبته، وهو كما قلنا إثبات من الإنسان أنه متجاوز لطبيعته مفعول عليها فاعل فيها، إلا أنه يجب أن نعرف أن جاذبية الإنسان إلى الأسفل أعلى وأقوى من جاذبيته إلى علوه، فالأولى كما يقول المسيري تعمل مع الإنسان ضد جاذبية العلو، والسقوط في الوحل أسهل من الصعود إلى النجوم.

ظلت المعضلة التي تواجه الفلسفة الغربية في سعيها نحو الإجابة على الأسئلة السابقة، هي أنها مثل ما تعاملت مع الطبيعة وفق منهجيات مُعقلنة حسية وتجريبية، أردت أيضًا أن تتعامل مع ذلك التجاوز والعلو بالنفس الدرجة من العقلنة والتجريبية، والتجريبية هي في أصلها فعل أرضي، يصعب عليه أن يفسر ما هو متعالٍ شعوري، وإلا لما سُمي علوًا وتجاوزًا، وبما أن ذلك الشعور تنطبق عليه نفس الأدوات التي نتعامل بها مع الطبيعة، فما ذاك بتجاوز، وإذا ما سعت أي فلسفة نحو تفسير العلو والتجاوز بنفس الأدوات التي تحلل بها الطبيعة من حولها، فهي في نهاية المطاف سوف تصل إلى الشكل الأفقي الذي أشرنا إليه سلفًا، المزيد من الانحناء نحو الأقدام، والشعور بالخلود.

كان اللاهوت الطبيعي بمثابة الشباك التي تنتهي إليه جُلّ محاولات العلو والتجاوز الغربي، ما يلبث ذلك التجاوز أن يسقط في الحسي المنهجي، والعلو لا يعرف هذه اللغة، إذ هو لغة لا أرضية، تبدأ من الأقدام الموحلة في الأرض وتنتهي في السماء الصافية الفسيحة.
وكما يقول محمد إقبال: مطمح الدين يسمو فوق مطلب الفلسفة، فالفلسفة نظرٌ عقلي في الأشياء، وهي بوصفها هذا لا يهمها أن تذهب إلى أبعد من تصوير يستطيع أن يردَ كل ما للتجربة من صور خصبة إلى نظام أو منهج، ثم يقول: الفلسفة نظريات، والدين تجربة حية، وينبغي على الفكر لكي يحقق العلو أن يسمو فوق ذاته، ويقول عزمي بشارة: الفلسفة تعالج الغايات، والدين ينشدها، ونحن نعلق على هذا القول بالتالي: بما أن الفلسفة معالجة الغايات فقد أُشغل العلم بالبحث عن العلاج في التجريبي والحسي، متناسيًا بذلك نشود الغايات كإيمان، وهي الداء والدواء الذي لم ولن تكتشفه التجريبية بأدواتها المتاحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد