يميل البشر إلى اتهام كل ما هو غير مألوف بالأشياء السلبية، إن من طبيعة الإنسان الميل للتخلص من كل ما هو سلبي وإن كان فكرة عالقة في ذهنه كونتها نفسه الأمارة بالسوء، أو كونه اعتاد أن يكوّن رد فعل بعيد تمامًا عن الإبداع، فتجد دائما رفضًا قاسيًا لكل ما هو مختلف.

إثبات الذات لهذه الشخصية وهم شيطاني من الانتقام المستمر.. وإنها مأساة البشرية منذ قتل قابيل هابيل! فهل تصبح ثقافة عالمية واحدة هي الحل لمعاناة الإنسان؟ 

في أحد أبيات الحكمة العربية: الضد يظهر حسنه الضد.

لكن لسوء الحظ البشري فهم بعض البشر لهذا البيت تحجيم ضيق، فلا ندرك بالنهاية الفرق بين التضاد والتنافر، وإذا تعمق السؤال في نفسك عزيزي القارئ، فإن هذه الإشكالية ربما كانت صراعًا أبديًا، أو لعلك تعلم أنها سؤال حائر وموضوع بحث منذ عصور الاحتلال في العصر الحديث، لقد شغلت عقول وطنية كثيرة بل العقول الأكثر وطنية على الإطلاق بكل ما تحمل من إخلاص بجذورها وللعلوم التي فتحت أمامها آفاق العالم.. فتجد السادات مثلًا يتحدث عن تجربة تحرر ذاته وبذور الأمل الدافع نحو رؤية لاستقلال بلده في نموذج مثير لعقله الطموح مثل هتلر أو أتاتورك، وهنا لا نحلل شخصية أيٍ منهما ولا حتى نقيس شخصية السادات بهما، لكن هي نظرة سريعة لتجربة شعورية مر بها قائد تحرير سيناء، الذي رسم ملامح جديدة من ذات متعددة الثقافات متسعة الرؤية، ولولا ملامح كهذه في رؤية انفتحت على أخبار العالم، لم يتمكن عقله من النضوج وامتلاك حكمة مواقف لها ما لها وعليها ما عليها، والدارس في التاريخ المصري إن لم يتخذ من السادات فصلًا مهمًا يؤخذ بالفحص والدرس سيفوته الكثير من عمق المعنى في هذا الوطن، وبالعودة لطرح سؤالنا المحوري هنا، هل ثقافة عالمية واحدة تحل إشكالية العالم؟ هل نقول قول تشرشل «يزعمون أن التجربة تعلم الرجال، كلا فإن الرجال يكررون دائمًا أخطاءهم»؟

هل نقول قول الشاعر العربي:

«ومكلف الأيام ضد طباعها … متطلب في الماء جذوة نار»

إن دافعًا منبعه الأمل الكامن دائمًا في دائرة الخير والمثالية تدفعنا دائمًا لإكمال البحث عن إجابة نافعة للعالم، تؤلف ولا تشتت وتبدع ولا تتمسك بتكرار ردود أفعال، الثقافة هي بناء من التنوع والاختلاف، لذلك علينا احترام طبيعتها، وتقدير فطرتنا، فهي تعبير الملكات العقلية والروحية التي تفرد بها آدم وبنوه على المخلوقات. 

وعرف أحد العلماء الثقافة إذ قال «فالرجل المثقف غير الرجل المتعلم، فهو أكثر مرونة في العقل، وأوسع مجالًا في الحديث، وأكبر مدى في المعلومات، وله شخصية قوية محبوبة، ورأي بارز في المجتمع، وأثر كبير في الأمور العامة، وهو لا يكون كذلك إلا إذا ألم بطرف من الأدب والفن واتصل بأمور الحياة العامة، وعرف ما يجري في بلده وفي العالم من الأحداث الهامة، وعرف لغة أخرى غير لغته، وتتبع النهضة العلمية الحديثة وتيار الفكر في الشرق والغرب إلى جانب علومه التي تخصص فيها، على أن لا تبقى هذه الطوائف من المعلومات منعزلة مستقلة بعضها عن بعض، فيصبح عقله مخزنًا كبيرًا به غرف غير متصلة. وإنما هو يؤلف بينها في مجموعات منتظمة واحدة  للعلوم، وثانية للمعلومات العامة، وأخرى للتاريخ والاجتماع، وهكذا على قدر تنوع معلوماته، ثم يربط هذه المعلومات بعضها ببعض فتصبح كلها مجموعة واحدة كبرى أو دولة علمية يشد بعضها أزر بعض، ويستفيد كل فرع منها من باقي الفروع بحيث إذا تكلم في الدين عرج على الفلسفة والمنطق واستعان بالتاريخ الاستقصاء والمقابلة وبالعلوم للبحث والتمحيص، فتدور معلوماته كلها حول محور محور واحد يتدرج فيه إلى الغرض من التعليم والتثقيف، وهو دراسة طرائق التفكير الصحيحة ومناهج البحث ومعالجة الأمور بالحكمة والنظر فيها نظرًا سديدًا، وكسب العادات العقلية المنظمة».

ويعلق الدكتور محمد بهي الدين بركات في كتابه صفحات من التاريخ على هذا قائلًا:

«ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت إن تلك الصفات على أهميتها وفائدتها في الحياة لا تتوفر جميعها إلا نادرًا في شخص واحد، لذلك أراني أميل إلى تعريف الاتجاه الثقافي بأنه الاتجاه الفكري والروحي، فهل نحن آخذون في سبيل اتجاه عالمي من هذا القبيل؟!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد