(1)

مازالت أتذكر إحدى المناقشات بعد ثورة 25 يناير، تلك الثورة التي فقدت كل شيء إلا نُبل شهدائها أحياء وأموات، حينها كنت أتحدث مع صديقة عن حقوق المرأة وكيف تعاني المرأة في مصر من مشكلات كثيرة، وأننا كشباب “ذكور” من واجبنا أن نتصدى لهذه المشكلات ونتحرك نحو مجتمع أكثر احترامًا للمرأة ومشاكلها، وبعد ما أطلت في الحديث كثيرًا وهي صامتة لا تتكلم قالت فجأة، “وأنت مالك” هنا انتقل الصمت منها لي، وأصبحت متخبط أكثر من أي وقت مضى في أي مناقشة، في الحقيقة لم أتمكن من الرد فسؤالها مباغت ويحمل بين طياته الكثير من الإجابات العميقة فعلًا.

لقد كان سؤالها منطقيًّا ويحدد المشكلة الرئيسية ليس فقط في حقوق المرأة ولكن في حقوق الكثير من فئات المجتمع من عمال ومزارعين وصيادين إلى آخره من فئات مهضوم حقها في التعبير عن مشاكلها، وكأن المجتمع لم يقف عند خَلق المشاكل لهم ولكنه قرر أن يتحدث عنهم ويُحدد هو مشاكلهم وحلها هو بالصورة التي يراها مناسبة هو دون ترك حرية تعبير تلك الفئات عن مشاكلها، وكأنهم قُصر أو غير مؤهلين.

والوضع لا يبدو مأساويًّا في حقوق المرأة بالنسبة للفئات الأخرى، وإن كان معظم المهتمين من الرجال بحقوق المرأة طالبين شهرة أو بطولة أو إقامة علاقات مع الفتيات المندفعات في هذا المجال، ولكن الكثير من الفتيات أصبحن قادرات على التعبير عنهن بحرية نوعية، عن فئات أخرى قد لا تُرى بمنظار الحكومة والمجتمع، فئات يطلق عليهم فئات مُهمشة وكأن التهميش جاء بفاعل مجهول.

والتهميش لفئات المجتمع الأخرى بدأ من عدم تقدير دورهم من المجتمع والحكومة، هذا التقدير جعلنا لا نقيم لهم وزنًا في حياتنا، لا نعتبرهم ضمن خططنا للتنمية ولا نعتبرهم شركاء مجتمع أكثر ما نعتبرهم عالة، وهذا التهميش لسببين أساسيين؛ الأول أننا لا نهتم بالإنسان بقدر ما نهتم بالمادة أو بما يُنتج الإنسان من مادة، وهذا إحدى ثمار الفلسفة المادية والغزو الاستهلاكي فنعتبر المرأة جسدًا، والمزارع محاصيل زراعية، والصياد أسماكًا دون إدخال لعامل أنه أساسًا إنسان، والعامل الثاني هو نظام الاستبداد الذي يقمع كل ما يجده مزعجًا له، وينظر إلى تلك الفئات على أنها الحلقة الأضعف أو الإسفنجة التي تمتص كل شيء ولا تُعصر أبدًا، ولكنها سوف تتشبع بالمياه في يوم من الأيام وتعصر نفسها، وهذا ما لا تدركه العقول الغنية بالجهل.

(2)

وإن كنت قد عاهدت نفسي ألا أدافع عن حقوق المرأة التي لا أشعر بها حقيقة ولن أشعر بها بطبيعة الحال، لكن هذا لا يمنعني من إبداء وجهة نظري في حياة المرأة عمومًا والمرأة المصرية خصوصًا، وجهة نظر لا تحمل توصيات ولا تأخذ من مساحة الرأي العام بقدر ما تلفت النظر إلى وجود مشكلات فعلًا في حياة المرأة المصرية.

أول تلك المشاكل؛ هي النظرة عمومًا للمرأة على أنها جسد، وهنا لا يتخيل بعض الرجال أن المرأة لها كيان متكون من عقل وقلب ومشاعر ولا يلتفت سوى لجسدها، وهذا أحد أهم أسباب التحرش الجنسي وانتشار هذا الفكر في الطبقة الوسطى جعل الأمر مرعبًا ومأساويًّا، وللأسف يلعب بعض الشيوخ المتحدثين باسم الدين دورًا في غرس هذا الفكر في المجتمع عن طريق تجريد النصوص الدينية من روحها وتطويعها لخدمة فكرهم، وهذا انعكس على الأسرة ثم المجتمع ثم انعكس بشكل مؤسف على بعض الفتيات نفسهن فأصبحن يرون أنفسهن مجرد جسد.

ثاني تلك المشاكل ضغوط الحياة والواجبات اليومية المملة جدًّا والصعبة جدًّا، وكي تتخيل ما سأقوله يجب أن تجرب بنفسك أن تعمل ليوم عادي أو حتى أقل من العادي في أي وظيفة كانت، ثم تبدأ في وظيفة إدارة منزل بكل ما يحتويه من مستهلكين، مع الأخذ في الاعتبار أن إدارة المنزل ليست وظيفة اختيارية أو تتحمل التأخير، فالمتعب نفسيًّا إلزامية العمل دون مساعدة حتى لو كان بمقابل مادي فما بالك لو بدونه، مع العلم أن تقسيم إدارة المنزل بين أفراد المنزل ليس شيئًا صعبًا أبدًا، ثم من قال إن المرأة ملزمة بتحضير الطعام وتنظيف المنزل وترتيبه ومساعدة الأولاد في الدروس والاهتمام بنفسها كي ترضي زوجها، فلا يوجد بند في أي دين أو عرف أو قانون يجعل المرأة مسؤولة عن هذا كله، ولا أعلم لماذا يحدث إلى الآن.

ثالث وآخر المشاكل هي مشكلة نفسية وتعتبر أهم تلك المشاكل وهي إحساس الرجال أن الاختلاف الفسيولوجي بين الرجل والمرأة إنما يجعله مميزًا عنها، فأي اختلاف بين شيئين يبدأ بمعايير ثابتة غير خاضعة لطرف دون طرف، ولكن الوضع الحالي يجعل خصائص الرجال هي المعيار الثابت للمقارنة بينه وبين المرأة، وذلك بسبب أيضًا الغزو الاستهلاكي والذي جعل كل المعايير مادية وهذا ما يتفوق فيه الرجل.

المشكلة لا تتعدى ثقافة وتربية على قيم لا تُوضع موضع نقد وعادات وتقاليد لا تتغير كوننا نعيش في كون ثابت وعالم جامد يمر فيه الوقت ولا ينفذ مع الفكر، ربما نستطيع تغيير الثقافة على مستوى طبقة معينة وبنطاق ضيق، ولكن هذا ليس كل المطلوب بالتأكيد، ولهذا كله، كل شيء يبدأ وينتهي عند الحرية في التعبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد