يا قدس إنا قادمون؛ كانت أول مرة أسمع بها تلك الأنشودة عندما كنت طفلًا، سمعتها في اللقاء الأسبوعي بالمسجد الذي بجوار بيتنا في آخر الدرس الذي كان بعنوان “القدس عربية إسلامية”، وتعرفت في هذا اليوم على تفاصيل كثيرة عن هذا الصراع الدائر منذ دهر في القدس، وسمعت هذه الأنشودة وتعلقت بها حتى الآن ليس فقط لإيقاع لحنها أو لصوت مغنيها الأجش، فكلماتها كانت بمثابة وعد للقدس أنني يا قدس سأحررك في يوم ما مهما طال الزمن، وسنصلي بالمسجد الأقصى بعد تحريرك؛ وكنت أتساءل كيف أننا أمة المليار وأن كل هذه الدول الإسلامية التي تمتلك جيوشًا وأسلحة لم تحرر القدس كل هذا الزمان، بل إنهم لا يلقون لها بالًا أصلًا؛ كان أقصى رد فعل من تلك الدول على انتهاك حقوق الفلسطينيين فقط “نشجب وندين”.

ذات مرة كنت أشاهد نشرة التاسعة مع أبي، فسمعت خبرًا أن شارون ومبارك قد ناقشا عبر الهاتف قضية ما، كنت أتعجب جدًّا، فكيف لرئيس دولة عربية إسلامية أن يتواصل مع مجرم قاتل مثل شارون، وكيف بكل هذه البساطة تتم محادثات بينهما كأنهما حليفان؛ والأمر لا يقتصر على مبارك فقط بل على كل رؤساء الدول العربية والإسلامية.

ومع تقدمي في العمر زادت التساؤلات التي لا إجابة لها، وخرجت بعيدًا عن نطاق القضية الفلسطينية وانتقلت الى السياسة الداخلية من فساد في كل المؤسسات وأنه كيف يتم تزوير الانتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية فلا قيمة في تلك الانتخابات لرأي الشعب؛ فكنت أتعجب أليس الشعب هو الذي يختار الرئيس إذًا فهو الحاكم أو كما درست في مادة الدراسات فإنه هو مصدر السلطات فكيف يتم تزوير إرادته!! وكيف أن قلة قليلة هي التي تحكم البلاد، وهذا الأمر ليس في مصر فقط بل في كل الدول العربية.

طيلة حياتي لم أشهد أي تغيير لرؤساء العرب حتى قامت ثورات الربيع العربي، كنت أظن أنني سأموت قبل أن يتم تغيير أي رئيس منهم لأنهم بدوا كأنهم خالدون؛ وبَقي السؤال الأصعب هو كيف أن الشعب وهو يعرف كل هذا يسكت ولا يحرك ساكنًا؟ بقي هذا الأمر يشغلني لفترة كبيرة حتى قررت أنني سأواجه أبي بهذه التساؤولات لكي يوفر عليّ هذا العناء فذهبت لأبي لأسأله فبعد أن سمع مني نظر لي للحظة ثم انفجر من الضحك وظل هكذا لما يزيد عن دقيقتين، وهو لا يتمالك نفسه من الضحك، فانتابني التعجب لسببين، السبب الأول: أنها كانت أول مرة أشاهد أبي يضحك بهذه الطريقة، لأن أبي ليس من كثيرِي الضحك، والسبب الثاني: أنني لم أقل شيئًا مضحكًا على الإطلاق فما المضحك لهذه الدرجة؟!!!
فتمالك أبي نفسه بصعوبة وقال لي: أنت ساذجٌ لدرجة لا تصدق.

ومع مرور الوقت كبرت ونضجت وفهمت كيف تسير الأمور في هذه البلاد، وأن هذه هي السياسة، فهناك من يدير الأمور لصالحه سواء كان في مصلحة دولته أو لا، وأن هذه المصالح تتناسب عكسيًّا مع الحرية والديموقراطية في غالب الأمر؛ وكل تلك المصطلحات التي لا تعني في بلادنا شيئًا سوى أنها توجد في مواد الدستور ويتحدث بها الساسة، ولكن لا أثر لها في الواقع؛ لذلك كان لا بد من تخدير الشعب وإذا ما فكر الشعب أن يطالب بحقه الطبيعي أو أن يثور كان حقًّا على حامي هذه المصالح -وأقصد هنا السلطات الأمنية- أن يقاوم بكل ما أوتي من قوة، وأنه مسموح له أن يستخدم أي طريقة للدفاع عّن هذه المصالح أيًّا كانت الطريقة: قتل، تعذيب، سجن، لا يهم فالأهم المصالح؛ أما الإنسان فليس له قيمة عندهم.

وهذا ما حدث مع ثورات الربيع العربي فقد تمت محاربتها بكل الطرق بالعنف والترهيب والتضليل الإعلامي والرشاوى السياسية وكل الطرق النجسة التي قد يتم استخدامها، فنجحت في بعض البلدان وهناك من ما يزال يقاوم حتى الآن.

ما يحدث الآن في القدس هو شيء لا يصدق، فبعد الحملات الإعلامية التضليلية الموجهة للعالم كله، لتبييض وجه إسرائيل والتي كانت محتواها: أن الفلسطينيين والإسرائيليين أصبحوا يعيشون بسلام، وأن الكل يرضى بالوضع الراهن وأن الشيء الوحيد الذي يعكر صفو هذا السلام هي المقاومة التي تحتل قطاع غزة، والتي يترأسها حركة حماس، ولكن ما يحدث الآن دمر كل أكاذيب إسرائيل، وكشفها للعالم أجمع؛ فما يحدث أن الشباب في الضفة والقدس يتصدى لمحاولة الصهاينة لتقسيم المسجد الأقصى ويقفون ليواجهوا الرصاص بصدور عارية ويردون على الاعتداء بالحجارة والزجاجات الحارقة، وهم في تطور مستمر، فهذه المشاهد ذكرتني بانتفاضة الأقصى ٢٠٠٠، لكن هذه الانتفاضة القادمة لن ترضى باللجوء لمفاوضات وتهدئة وكل هذه التفاهات، وإن من مميزات الانتفاضة ومما يضمن استمرارها أنها غير محزبة، لا تعبر عن تيار بعينه، فهي شبابية بحتة وأحلامها تتحدى الواقع.

آمل ألّا تكون أحلام شباب ساذجة مثل أحلام صغري: فهو شباب يحلم بأن يرجع كل شيء بمسماه الطبيعي فترجع تل الربيع بدلًا، من تل أبيب، وترجع عاصمة فلسطين القدس وليس القدس الشرقية، وبمعنى أصح وأشمل أن تمحى إسرائيل من على الخريطة؛ وأنا الآن أقول إن هذه أحلام ليست ساذجة، وسيأتي اليوم التي تصبح فيه الأحلام حقيقة، ربما ليس اليوم، ولا غدًا، لكنه سيأتي ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبًا، فلن تنحصر هذه الانتفاضة على فلسطين وحدها، بل ستنتشر في ربوع الوطن العربي بأجمعه لتقتلع رؤوس الحكام الطغاة، ويعود الحق لأهله، وتغدو الانتفاضة هي النور الذي يبزغ في عتمة الظلام الكاحل ليهتدي به الثائرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد