إذا جَن عليك الليل، وأصبحت وحيدًا في ظلامٍ دامس، أسندت رأسك على وسادتك، بدأت تلملم أفكار ساعات الصباح، تنتظر حُلمًا قد يأخذك بعيدًا إلى عالم الخيال، تعيش بداخله مستقبلًا لا يأتي أو تطارد به ماضيًا لا ينجلي، أو كابوسًا يخنق أحلام الصبي، لا تعلم متى ينتهي؟ أو رؤيا صالحين ترى فيهم من تحب ينشرح بهم صدرك ويَسعد بهم قلبك، لكن أن يأتيك من تحب وتنتظر لكي يعلن معك الجفاء، يخبرك بانقطاع الوصال؛ فأنت حقًا تعيش كابوس رؤيا من تحب.

أن ترى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام هي أمنية كل مسلم، لأنها دلالة من الله – عز وجل – على رؤيته في الحقيقة «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي»، ورسالة بأنه اصطفاك من بين خلقه لرؤية خير خلقه، كثيرٌ من الصالحين عاش ينتظر رؤية رسول الله ومات دون أن تتحقق أمنيته، لكن ما بالك إذا جاءك الحبيب في المنام لكي يخبرك بانقطاع الوصال بينك وبينه؛ فأنت حقًا الضاحك لرؤيته والباكي لخصامه.

لا يستطيع الصبي الصغير أن ينسى هذا اليوم، الذي ظل يطارده كثيرًا طيلة عمره، وإلى الآن يعيش بين أفكاره، ويسأل نفسه هل فعلًا نهاية اللقاء؟ هل حقًا هو انقطاع بين الصبي وحبيبه؟ منذ أكثر من خمسة عشر عامًا كان طالبًا في المرحلة الإعدادية، وكغيره من أبناء مرحلته لم تكتمل صورة الحياة بداخله، متقلبًا في حياته أو حتى في سلوكه، متفوقًا في إحدى مواده الدراسية ومغرورًا عند أستاذه بتفوقه، يجلس بين رفاقه ولا ينتظر من الوقت أن ينتهي، عشق هذا المكان ولم يعلم بأنه مكان فراق الحبيب، ونهاية اللقاء.

ذات يوم بينما هو جالس بينهم ينتظر قدوم أستاذه، لم يدخل عليه المدرس كعادته، بل دخل عليه الحبيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم – ممسكًا بأوراق لا يعلم لأي مادةٍ تنتمي، طلب من الصبي دون غيره أن يخرج ناحية السبورة، يسأله والصبي يجيب، ظل هكذا يسأل والصبي يجيب عليه في سعادة، لم يلتفت لأي نوعٍ الأسئلة لا يعلم أهي مسائل يحلها، أم هي عبارات يكملها؟ لم يهتم بالمعرفة فهو سعيد بإجاباته والتي لم يخطئ في واحدة منها.

وبعد وقت لا يعلم مرت دقائق أم لحظات، انتهت الأسئلة على الصبي؛ وأقدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الخروج من الحجرة الصغيرة والتي لا يرى الصبي فيها غيرهما، حاول الصبي أن يلحق به ولم يستطع، نادى عليه قائلًا «يا محمد! قصدي يا مولانا محمد هو أنا ممكن أشوفك تاني في المنام» رد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بكلمةٍ واحدة «لا»، وجلس رسول الله على استراحته واهتز الصبي على وقع هذا الرد، وتمتم الصبي بكلماتٍ خافتة متأثرًا بالرد.

ذهب الصبي إلى كتب ومجلدات التفسير، يتطلع أن يجد تفسيرًا لرؤيته، وبينما هو يتنقل من كتاب لآخر ولا يعلم لهم مصدرًا؛ وجد من يخبره أن «من رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام دخل الجنة».

أراد الصبي أن يعيش في لحظات رؤيته، وأقنع نفسه بصدق ما قرأ – بدون مصدر – أن من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – دخل الجنة، وظل على هذا يبتعد ويقترب كثيرًا، يرتكب معاصيه ويخبر نفسه ويذكرها بتأشيرته للجنة والتي حصل عليها من رؤيته، ونسي الرد عليه بكلمة «لا»، فأنت مرفوض وممنوع أن تقترب، وخصامك سيظل، وبدأ الصبي ييأس من رجوعه، فهل من عودة بعد الخصام؟

صعُب على الصبي أن ينسى مرحلة قاسية في حياته، خاصةً حينما تكون في بداية تكوين فكره، حذارِ علينا أن نفسر ما نرى كيفما شئنا، فأنت حينما ترى رؤيا كانت أم غيرها ليس لك أن تستمع لكل من ادعى أنه يفسر أو كتب في كتب ومجلدات تفسيرًا للرؤى؛ فقد تكون مثل الصبي الذي ظل على تفسيرهم بأنه في الجنة يرتكب معاصيه ويخبر نفسه أنه لن يموت عليها.

أنتظر نهايتي ولا أعلم كيف أموت؟ وعلى أي عمل يتوفاني الله؟ هل فعلًا خصام من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإذا كان فلا خصام يعود وكنت من أهل النار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد