بحلول عام 1969 أصبح هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بالتزامن مع وصول المد الاشتراكي العالمي والحرب الباردة الى أقصاها، ومع وصول كيسنجر لهذا المنصب قوي نفوذُ الحكومة الأمريكية، أو بالأحرى وكالة الاستخبارات المركزية CIA في الشؤون السياسية لدول أمريكا الجنوبية بسبب اتجاه تلك الدول لتبني السياسات الاشتراكية واليسارية والشيوعية وتنامي العداء للرأسمالية، لدرجة جعلت الكثير من القسس يتركون وظائفهم الكنسية في معقل الكاثوليكية ويتجهون للاشتراك في الثورات والتحريض ضد فساد الحكام الرأسماليين المرضي عنهم من الولايات المتحدة.

ولسنوات طوال كانت تشيلي واحدة من أهم المستعمرات الاقتصادية الأمريكية، فقد كانت أمريكا تستنفذ ثروتها من النحاس بواسطة شركتي”أناكوندا” و”كينوكوت” الأمريكيتين، وتستحوذ على سوق الاتصالات بواسطة شركة ITTالأمريكية، الى جانب بعض مصانع السلع الاستهلاكية التي ينتفع منها رجال الأعمال التابعون للنظام بالتعاون مع بعض جنرالات الجيش الذين كانوا يسيطرون على مفاصل الدولة اقتصاديًا، وأمنيًا عن طريق القمع، وسياسيًا عن طريق تزوير الانتخابات، وكان “إدواردو فراي مونتالفا” المنتمي للحزب الديموقراطي المسيحي الموالي لأمريكا، آخر رئيس لدولة تشيلي يقوم الجنرالات بالتزوير والتلاعب في نتائج الانتخابات لفرضه رئيسًا للدولة بالقوة في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 4 سبتمبر 1964.

انتخب مونتالفا رئيسًا لتشيلي، وتولى مهام منصبه يوم 4 نوفمبر من نفس العام، بعد خسارة منافسه المعارض الشرس “سلفادور إيزابيلينو ألليندي جوسينز” للمرة الثالثة في الانتخابات الرئاسية بعد فشله السابق في انتخابات 1952 وانتخابات 1958، لم يكن سلفادور ألليندي الطبيب الماركسي المتطرف المنتمي للحزب الاشتراكي التشيلي سياسيًا معروفًا أو مميزًا، لكنه كان قد اكتسب بعض الخبرة السياسية من جراء خوضه المتكرر للانتخابات ولكونه نائبًا برلمانيًا سابقًا، إضافة إلى بعض من تأييد الشعب التشيلي الذى كان يكره الحزب الديموقراطي المسيطر على الحياة السياسية، فوضع ألليندي على رأس التحالف الشعبي اليساري، ومع ذلك لم يكن هناك أي أمل في فوز ألليندي أو غيره من المعارضين في الانتخابات الرئاسية في ظل وجود العسكر على رأس السلطة الحقيقية للبلاد، وكاد ألليندي أن يفشل في الانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة على التوالي في انتخابات عام 1970 لولا المفاجأة التي حدثت في اللحظات الأخيرة.

في 27 أكتوبر 1969 وقبل الانتخابات الرئاسية المستحقة في العام التالي، تولى “رينيه شنايدر شيرو” منصب القائد العام للقوات المسلحة من قبل الرئيس “إدواردو فراي مونتالفا”، وكانت تلك غلطة العسكر الذين سيحاولون تلاشيها لاحقًا.

 

لم يكن ألليندي هو المرشح الأمثل لقيادة الدولة، فقد كان ماركسيًا يتبع جماعة تسمى بائتلاف الوحدة الشعبية Unidad Popular ذات الأفكار الماركسية المتطرفة، وكان الشعب في حيرة من أمره بين انتخاب مرشحي العسكر والدولة العميقة، وبين انتخاب الماركسي المتطرف ألليندي ، فقرر عدد من الناخبين التغاضي عن مساوئ هذا الأخير، والاتجاه صوب ترجيح كفته في الانتخابات وقد كان.

وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في 4 سبتمبر 1970، تفوق ألليندي بفارق ضئيل جدًا على خصميه “جورج أليساندري رودريجيز” و”رادوميروتوميك روميرو” بنسبة 36.3% مُقابل 34.9% و27.9% من إجماليّ عدد الأصوات بفضل أصوات عاصري الليمون، إلا أن أيا من المرشحين لم يحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات، وأكد المؤتمر الوطني التشيلي أن العملية الانتخابية لم تنته بعد، ورفض أنصار أليساندري الاعتراف بهزيمة مرشحهم.

جاءت النتيجة مفاجئة لأمريكا ولكيسنجر نفسه حتى أنه قال “لا أفهم لماذا يجب علينا الوقوف مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد دولة تتحول إلى الشيوعية بسبب انعدام مسؤولية أهلها، الظواهر كثيرة جدًا وواضحة للغاية ويجب على مواطني تشيلي أن يتخذوا قرارهم بأنفسهم”، وبناء عليه قامت “لجنة الأربعين” برئاسة كيسنجر بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية بالعمل لإعاقة تنصيب ألليندي رئيسًا من خلال خطة سرية سميت بالخطةTrack I والخط Track II، سعت الخطة Track Iإلى منع ألليندي من الوصول للسلطة من خلال ما يسمى بالاحتيال البرلماني، بينما سعت الخطة Track IIإلى إقناع بعض القيادات العسكرية في الجيش التشيلي للقيام بانقلاب عسكري.

 

 

و كما أتى تقدم ألليندي مخيبًا للولايات المتحدة الامريكية، أتى أيضًا مخيبًا لحسابات جنرالات الجيش الذين حاولوا التدخل لمنع حدوث ذلك بكل الطرق، لكن رينيه شنايدر القائد العام للقوات المسلحة تصدى لتدخل القوات المسلحة ورفض وبشدة فكرة منع تنصيب ألليندي عن طريق انقلاب عسكري، وأكد على رغبته في الحفاظ على تاريخ الجيش بعيدًا عن مناورات السياسة، وبدا شنايدر عائقًا امام عسكر تشيلي في التخلص من ألليندي ، وأصبح تحييده أو التخلص منه شرطًا أساسيًا وضرورة قصوى كتمهيد لانقلاب عسكري مرتقب بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الامريكية الـCIA، وكرد فعل سريع لتنحية شنايدر عن المشهد نهائيًا، وضعت خطة تقضى باختطافه والتخلص منه، ينفذها مجموعة من الضباط بقيادة الجنرال التشيلي “كاميلو فالنزويلا” ثم إلقاء تبعية الاغتيال على أنصار ألليندي .

 

جاءت المحاولة الأولى لاغتيال شنايدر في 16 أكتوبر 1970، وحاولت مجموعة الاغتيال الاولى اختطافه من منزله، لكنها فشلت بسبب تلقيه مكالمة هاتفية من مجهول تنذره بمحاولة اغتياله، فغادر منزله قبل هذا التاريخ بيومين ولم يعد حتى اليوم التالي، ثم جاءت المحاولة التالية في مساء 19 أكتوبر 1970 عن طريق بعض الضباط الموالين للجنرال “روبرتو فياوكس” عن طريق إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع وانتزاع شنايدر من سيارته عند مغادرته حفل عشاء رسمي، و فشلت المحاولة بسبب خروجه في سيارة خاصة وليس سيارته الرسمية المتوقع أن يستقلها، ثم جاءت المحاولة الثالثة والأخيرة في 22 أكتوبر 1970 عندما غادر شنايدر منزله في سيارة مرسيدس يقودها العريف ليوبولدو مورا، فنصب المتآمرون كمينًا عند تقاطع شارعي زامورا واميريكو، واعترضوا سيارته بعدة سيارات، وحدث كل شيء بسرعة جدًا فخرج أحدهم وسحق زجاج سيارة شنايدرالأمامي والخلفي بمطرقة، وأفرغ الآخر طلقات مسدسه عيار 45 مللي في صدر شنايدر، الذي دافع عن نفسه ببندقيته الخاصة إلا أنه تلقى عدة طلقات قاتلة من مسافة قريبة، وتم نقله إلى مستشفى عسكري ليموت بعد ثلاثة أيام في 25 أكتوبر ويصبح الطريق ممهدًا أمام العسكر للانقلاب على ألليندي أو هكذا ظنوا وقتها.

أثار مقتل شنايدر عاصفة واسعة من الغضب والاحتجاجات الشعبية، وأتى بنتائج عكسية تمامًا بعدما احتشد المواطنون وراء ألليندي نكاية في العسكر، فلم يجد البرلمان التشيلي بدًا من التصديق في24 أكتوبر على فوز ألليندي بالمنصب بالرغم من عدم حصوله على الأغلبية المطلقة، كما ساعد البرلمان على ضمان نقل منظم للسلطة، وأصبح سلفادور ألليندي أول رئيس منتخب بدون تزوير في تاريخ دولة تشيلي، ووقف ألليندي في شرفة مبنى في شارع ألاميدا ليلقي بخطاب النصر قائلًا “النصر لديها لم يكن سهلا، ولكنه سيكون أكثر صعوبة لتوطيد هذا النصر وبناء الوطن الجديد، والتعايش والأخلاق مرة أخرى”، وفور توليه السلطة وفي 26 أكتوبر، عين ألليندي الجنرال كارلوس براتس جونزاليز في منصب القائد العام للقوات المسلحة خلفًا للراحل شنايدر.

 

لم يكن ألليندي ولا جماعته يمتلكون أي خبرة حقيقية في إدارة البلاد، وبدأ يتخبط يمينًا ويسارًا، فشرع يؤمم صناعة التعدين والنسيج والبنوك والشركات التجارية الأجنبية العاملة في تشيلي، ولم يكتفِ بذلك وإنما دفع باتجاه إقرار اصلاحٍ زراعي، بغية انتزاع ما يقرب من 20 ألف كيلو متر مربع من الأراضي المملوكة لكبار الإقطاعيين وتسليمها إلى المزارعين والجماعات البدوية، وحددت الدولةُ أسعار المواد الغذائية الأساسية، إلا أن تلك السياسة الاقتصادية ساهمت بشكلٍ أو بآخر في رفع معدل التضخم من 29% عام 1970، إلى 160% في خلال سنتين فقط، ومما زاد الطين بلّة، وقوع ما يقرب من 600 هجوم إرهابي أثناء فترة حكم ألليندي ، استهدفت كباري وشبكات السكك الحديدية وأنابيب نقل النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، وفي عام 1972 أرغمت أزمة عجز المواد الغذائية الحكومةَ على تقديم تلك المواد على بطاقة التموين، وعندما تصاعدت وتيرة الإضرابات العمالية في خريف عام 1972 في بعض الأقاليم، وتحولت إلى معارك وصداماتٍ في الشوارع، أعلن ألليندي حالة الطوارئ ووضع الأمور كلها في يد الجيش، وكانت خطيئته الكبرى أنه بدلًا من أن يعزز هذا النضال باعتباره قاعدته الشعبية التي يمكن أن يستند عليها ليتخذ إجراءات ثورية حقيقية، لجأ إلى الاستناد على الجيش فشكل وزارة جديدة من جنرالات الجيش بغية السيطرة على الوضع المُتصاعدة وتيرتُه، معتقدًا أن هذه هي الوسيلة التي يمكن أن يمنع بها الأوضاع من الانفجار.

وفي مايو 1973 افتعل ألليندي أزمة مع المحكمة الدستورية التي رأى أنها تحده من بعض سلطاته فقام بحلها ضاربًا بالديموقراطية عرض الحائط، ثم قام بتعديل الدستور التشيلي الذي وافق الشعب عليه مرغمًا، وبالرغم من ذلك حصدت جماعة ألليندي المسماة بـ “ائتلاف الوحدة الشعبية” على نصيب 44% من إجمالي عدد الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت بداية عام 1973، في نفس الوقت الذى كونت فيه قوى المعارضة “جبهة إنقاذ” بغية محاولة وقف تردي الأوضاع وتعدي ألليندي على الديموقراطية، وثارت جموع الشعب المحبطة التي نزلت الى الشوارع تطالب جنرالات الجيش أن يتحركوا لإنقاذ الدولة من ألليندي الماركسي المتطرف، والحقيقة انه باستثناء تأميم مناجم النحاس، لم يكن أداء حكومة الوحدة الشعبية برئاسة ألليندي أداءًا ثوريًا بأي حال من الأحوال.

 

بالرغم من إصرار الحزب الشيوعي التشيلي، والحزب الاشتراكي التشيلي القطبان الرئيسيان في حكومة الوحدة الشعبية على تسمية عملية وصول ألليندي لرئاسة الجمهورية في 1970 بـ “الثورة السلمية”، إلا أن أداء ألليندي وحكومته لم يتجاوز سقف الحكومة الإصلاحية التي سبقته، فحكومة ألليندي لم تطرح قانونًا جديدًا للإصلاح الزراعي بخلاف ما طرحته الحكومة السابقة، ولم تسترد المصانع لصالح العاملين فيها، هذا بالإضافة إلى أن ألليندي كان قد وقع على اتفاقية مع ممثلي الرأسمالية التشيلية سميت “قانون الضمانات” يتعهد فيها بعدم إحداث أي تغيير جوهري في بنية مؤسسات الدولة القديمة، أي أنه ألزم نفسه بالعمل من خلال المؤسسات القديمة وبالأسلوب القديم ذاته.

 

 

في 29 يونيو 1973 قام الجنرال براتس القائد الأعلى للقوات المسلحة وبمساعدة عسكريين مساندين للحكومة، بإفشال محاولة الانقلاب التي نفذها لواء المدفعية في الجيش والتى عرفت بـ “انقلاب الدبابات”، وعندما قام البرلمان التشيلي في 22 أغسطس بالتصويت على سحب الثقة من رئيس الجمهورية وطالب الجنرالات بالاستقالة، انسحب كارلوس براتس من الحكومة تاركًا مهامه لنائبه الجنرال أوجستو خوزيه رامون بيونشيه، بموافقة ألليندي الذي استحسن تعيين بينوشيه في المنصب، ظنًا منه أنه سيعاونه في السيطرة على الأمن العام .

لم يدرِ ألليندي أن أيامه صارت معدودة وباتت الأرض ممهدة لانقلاب عسكري شامل بمعرفة جنرالات الجيش وعلى رأسهم “أوجستو بينوشيه”، خصوصًا بعدما تحولت تشيلي إلى كتلة من اللهب جراء الإضرابات والمظاهرات المستعرة طوال الوقت، حتى أن المؤرخ ماريو غونغورا وصف تلك الفترة من تاريخ تشيلي بأنها “حرب أهلية منزوعة الأسلحة”، وتفيد وثائق مؤكدة بأن المخابرات المركزية الأمريكية مولت إضراب سائقي الشاحنات الذي تسبب في الفوضى الاقتصادية التي سبقت الانقلاب، وجرت عملية الانقلاب العسكري على ألليندي بطريقة سرية للغاية لقبت بـ “مشروع فوبلت”، وكان وزير الخارجية الأمريكي ويليام روجرز، ووزير الدفاع ملفن ليرد، والسفير الأمريكي في سانتياجو إدوارد كوري على اطلاعٍ بهذه العملية، ويقال أن وزارة أمن الدولة Ministerium für Staatssicherheit في ألمانيا الشرقية المعروفة باسم “شتازي” قد علمت بالخبر عبر عملاء مزدوجين لها في ألمانيا الغربية، لكن جاء هذا متأخرًا للغاية، ولم يتسنَّ لهم تحذير ألليندي .

 

كنتيجة للمظاهرات العنيفة التي عمت جميع أرجاء البلاد، وكمحاولة أخيرة فاشلة للسيطرة على الوضع من ناحيته، أعلن سلفادور ألليندي في 10 سبتمبر 1973 استعداده لدعوة الجماهير إلى استفتاء شعبي لتقرير استمراره في السلطة من عدمه، لكنه كان متأخرًا جدًا في قراره، ففي السادسة والثلث من صباح اليوم التالى 11 سبتمبر 1973، استيقظ ألليندي على اتصال هاتفي من مجهول، أخبره المتحدث أن الأسطول الحربي المتمركز قبالة سواحل مدينة “فالبارايسو” يهدده ويطلب إليه الاستقالة من منصبه، حاول ألليندي مرارًا وتكرارًا ان يستوضح الأمر من وزير الداخلية أو من القائد الأعلى للقوات المسلحَّة الجنرال أوجستو بيونشيه لكنه فشل، وبعد أن يئس من الوصول إلى أيا منهم، قرر أن يصطحب أعضاء حكومته وذويه ومساعدته الخاصة وعشيقته ماريا كونتريراس وبعض الأصدقاء المقربين ويذهب إلى قصر الرئاسة في لامونيدا.

في نفس الوقت تحركت القوات المسلحة التشيلية بأوامر من “الخوانتا” (المجلس العسكري التشيلي) لتسيطر على المناطق الاستراتيجية، ووجه جنرالات الخوانتا وعلى رأسهم الجنرال بيونشيه إنذارًا عبر الإذاعة التشيلية الى الرئيس سلفادور ألليندي مطالبينه بالاستقالة من منصبه وبنقل السلطة إليهم، وأن تتوقف كل وسائل الإعلام الرسمية عن بث الأخبار وإلا ستتعرض للهجوم من قبل القوات المسلحة، وعندما امتنع ألليندي عن تنفيذ طلبهم تحركت القوات المسلحة نحو القصر الجمهوري، وهددوه بتدمير القصر الرئاسي على من فيه، وعقب تلقيه هذا التهديد، قام ألليندي بإخراج أغلب الحاضرين معه من البناية بينهم اثنين من بناته، وطبيبه، وحارسه الشخصي، وسكرتيره الخاص، وقبل دقائق من قصف القصر الجمهوري توجه ألليندي عبر إذاعة سرية بخطابه الأخير للأمة ودع بها شعبه وألقى بفشله في إدارة شؤون البلاد وتدهور الاقتصاد والتضخم على الإمبريالية وعملاء الغرب، ومع حلول الظهيرة دوَّت المدفعية وبدأ قصف القصر بالدبابات والمدفعية والطائرات، وقبل غروب الشمس اقتحمت قوات الجيش القصر الرئاسي، فأعلن سلفادور ألليندي استسلامه، وارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميز رؤساء تشيلي طوال قرنين من الزمان، وانسحب مع من تبقى معه إلى “صالة الاستقلال” داخل القصر وهناك كانت النهاية.

تقول الروايةُ الرسمية أن ألليندي انتحر هناك برصاصة في الرأس مفضلا ذلك عن سقوطه في يد بينوشيه ورجاله، لكن الاحتمال الاغلب أنه قاوم القوة المناط بها اعتقاله فأردته قتيلًا، ونجحت زوجة ألليندي في الهروب برفقة بناته الثلاثة إلى خارج البلاد، وكذلك فعلت عشيقته ماريا كونتريراس، وأعلن الجنرال أوجستو بينوشيه في خطابه عبر التلفاز استلامه السلطة وتوليه زمام الأمور لإنقاذ البلد من من الفوضى التي سببتها حكومة ألليندي الماركسية، وأكد أن لديه وثائق تؤكد خطط حكومة ألليندي إلى إقامة دولة ديكتاتورية في تشيلي، وأن ما فعله كان نابعًا من وطنيته الخالصة، وأصدر قرارًا بإلغاء الصحف وتعليق العمل بالدستور وحل البرلمان وحظر كل الأحزاب المحسوبة على ائتلاف الوحدة الشعبية حتى تستقر البلاد، وحظر المجلس العسكري والحكومة رسميًا الفكر الاشتراكي والماركسي واليساري، وقبل نهاية اليوم الأول كانت قوات الشرطة العسكرية والجيش قد ألقت القبض على 2131 شخصًا لأسباب سياسية.

وتجاوز عدد هؤلاء أكثر من 13 ألفًا بنهاية العام 1973، واستمر القتال لبضعة أيام في الأحياء العمالية والورش والمصانع بين الجيش من ناحية، وبين العمال ورافضي الانقلاب العسكري من ناحية أخرى، وحتى نوفمبر 1973 وصل عدد المعتقلين أكثر من 45 ألف سجين سياسي، وأغلب الحالات لم يعلم فيه ذوو المسجون عن مصيره شيئًا، ولم يكن مسموح بحضور المحامين للمحاكمات، ولم تقم أية محاكمات علنية، وتقول التقديرات أن حوالي 20 ألفًا من خصوم “الخوانتا” قد أُطيح بهم إلى المنفى، وفي 30 سبتمبر 1974 لقي كارلوس براتس القائد الأعلى للقوات المسلحة السابق، وزوجته صوفيا كاتبيرت حتفهما إثر هجوم بقذيفة متفجرة.

في 17 ديسمبر 1974 اختار أعضاءُ الخوانتا الجنرال أوجستو بيونشيه رئيسًا لجمهورية تشيلي الذي رقى نفسه بنفسه إلى رتبة “كابتن جنرال”، وحكم بينوشيه البلاد بالحديد والنار، وتحوّلت المباني العامة إلى معسكرات اعتقال، وقد مثلت مذبحة “الاستاد القومي” Estadio Nacional في العاصمة سانتياجو نقطة سوداء في تلك الحقبة، فقد سيق إلى هناك عدد من المعتقلين يقدر بالآلاف ثم فتحت عليهم قوات الجيش النيران فأردتهم جميعًا قتلى، وحتى يومنا هذا لا يعلم أحد العدد الحقيقي لضحايا مذبحة الاستاد القومي، وقاسى كثيرٌ من السجناء سوء العذاب، ولقي على الأقل 3197 مواطن تشيلي حتفهم من جراء التعذيب طبقًا للتقرير النهائي للجنة “الحقيقة والمصالحة” المعروفة اختصارًا باسم لجنة “ريتج”، واختفى الكثير من المُختطفين من دون أثرٍ لهم، وشاع أن المسجونين والقتلى كان يُقذف بهم من الطائرات في عرض البحر.

 

وشارك بينوشيه رسميًا في العملية كوندور operation condor، وهي برنامج أمريكي لتصفية المعارضين للسياسات الرأسمالية، جرى تطبيقه في عدد من دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسها الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراجواي وأوروجواي وبيرو وتشيلي بالطبع، ونتج عنه مقتل ما يزيد عن 60 ألف معارض في تلك الدول، منهم السفير التشيلي السابق لدى الولايات المتحدة أورلاندو يتيليه والذي قتل في انفجار سيارة ملغومة، وكان التعذيب يطال جميع المعارضين، واستخدم فيه وسائل بشعة كالتعذيب بالصدمات الكهربائية والاغتصاب والعنف الجنسي بجميع أشكاله والحرمان من النوم والطعام لفترات طويلة والترهيب بالإعدامات الوهمية، وأنشئت معتقلات جديدة كي تسع هذا الكم الهائل من المعتقلين مثل معتقل “كولونيا ديجنيداد” سيء السمعة والذى عرف بأنه مركز التعذيب الرئيسي في تشيلي، وعندما عارض قائد القوات الجوية الجنرال “لاي” سياسات بينوشيه بشكل متزايد، طرد من الخوانتا في 24 يوليو 1978 واستبدل بالجنرال فرناندو ماتهي.

لم يصمت القضاء التشيلي الشامخ على تلك الانتهاكات بالطبع، وقام بمحاكمة 700 قيادة أمنية وعسكرية على تلك الانتهاكات، أدين منهم 70 جنرالًا فقط، وسجن منهم 60 جنرالًا وقائدًا عسكريًا فقط، في مجمع منظم فخم يليق بمناصبهم العسكرية الرفيعة.

في أكتوبر 1978، قدمت اللجنة التي شكلها المجلس العسكري مشروعًا للدستور يقر على الاستفتاء على مرشح واحد للسلطة بدلًا من الانتخابات التعددية، وأدخل عليه أصحاب السلطة بعض التعديلات، وأقحم بينوشيه على مشروع الدستور مادة تنص على أنه في حالة خسارته لمنصب رئيس الدولة، يعود مرة أخرى الى منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة، إلى جانب احتفاظه بمقعد ثابت في مجلس الشيوخ بما له من حصانه مدى الحياة، ووافق الشعب عليه في استفتاء تعديل الدستور عام 1980، وبناءً على الدستور الجديد ظل أوجستو بيونشيه في منصبه رئيسًا للجمهورية بصلاحياتٍ واسعة للغاية، وهنا تحول الرئيس التشيلي السابق إدواردو فراي مونتالفا الذي كان أحد أشد المؤيدين لانقلاب بينوشيه العسكري على ألليندي ، إلى معارض شرس لبينوشيه، حتى أنه قاد عدة مظاهرات ضد تمديد فترة رئاسته، وفي 22 يناير 1982 قتل مونتالفا بمادة سامة من إنتاج الكيميائي “يوجينيو بيريوس” الذي أمره بينوشيه في السابق بإنتاج كميات من غاز السارين القاتل، وبتشريح جثة إدواردو فراي ثبت تعرضه لغاز الخردل القاتل.

أعاد بينوشيه الشركات التي قام ألليندي بتأميمها في السابق إلى ملاكها الأصليين، وتدهور الاقتصاد في عهده بشكل غير مسبوق، وتدنى دخل الفرد، وارتفع التضخم حتى وصل إلى 370%، وألغى الحد الأدنى من الأجور، وأبطل حقوق اتحاد العمال، وخصخص نظام الراتب التقاعدي والصناعات الرسمية والبنوك وخفضت الضرائب على الثروات والأرباح، وارتفع معدل البطالة من 4.3% في 1973 إلى 22% في عام 1983، بينما هبطت الأجور الحقيقية بنسبة 40%، وبحلول عام 1981 كانت تشيلي قد أفلست تمامًا.

استمر بينوشيه حاكمًا منفردًا لسبعة عشر عامًا كان فيها العدو الأول لكل مفكري وكتاب أمريكا اللاتينية، وعلى رأسهم الحائز على جائزة نوبل جابرييل غارسيا ماركيز الذي كتب كتابًا عن نظامه أسماه “مهمة سرية في تشيلي”، واستلهم سيرته في روايته الشهيرة “خريف البطريرك”، وكذلك الروائية التشيلية “إيزابيل ألليندي ” ابنة أخ سلفادور ألليندي التي استعادت انقلابه العسكري في روايتها “بيت الأرواح” وكتبت عن فظائع نظامه، وعبرت عن ثرواته الهائلة في إحدى فصول الرواية قائلة “لم يكن جدي قادرًا على متابعة ثرواته، كان يكفي أن يتركها في البنوك لتتضاعف وحدها”، وحتى الكاتب الإنجليزي الشهير جراهام جرين الذي كان من أكبر مُعاديه، وحرم بينوشيه الأحزاب السياسية اليسارية ومنع أي نشاط سياسي، وطارد اليساريين في كل أنحاء البلاد، وقُتل واختفى أكثر من ثلاثة آلاف تشيلي على يد نظامه، كما عُذب وسُجن أكثر من سبعة وعشرون ألفًا ونفُي الكثيرون أو هربوا طالبين اللجوء السياسي، وصارت البلاد كلها تمور بالكراهية لنظام بينوشيه، الذى أطلق عليه المعارضون اسم “بينوكيو” كنوع من السخرية منه ومن نظامه، وتحولت تشيلي إلى سجن كبير في عهده، وأورد تقرير “فاليك” أكثر من 28 ألف حالة تعذيب في عهد بينوشيه.

 

نص خطاب ألليندي الذى ارتجله وبثه عبر الإذاعة قبل دقائق من اقتحام القصر الرئاسي

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد