من منا لم يسمع بكورونا، الوباء الجديد الذي شغل العالم طولًا وعرضًا، وجَنّد العالم لمحاربته جيوشًا جرارة، وهو قابع في مكانه لا يبالي! إذ هو المنتصر حتى اللحظة، فَخّسر بصمته وعنجهيته الإقتصاد العالمي مليارات الدولارات، وشل حركة السفر والتجارة، وفرض قيودًا جبرية على البشر وتحركاتهم، وحصد آلاف الأرواح حول العالم، تاركًا لذويهم أن يحزنوا بصمت كصمت الطرقات والأزقة التي خلت تمامًا من رودها، آلاف الجثث قابعة إلى مثواها الأخير بلا شعائر جنائزية تليق بحرمة الموت، وكأن الفيروس لا يعرف للموت حرمة! وفي ظل هذا التخبط والذهول، الناس في حيرة تسأل: كيف السبيل للوقاية من هذا الشر الخفي؟

بعيدًا عن كورونا وسبل الوقاية منه، فإن خوفنا من كورونا الفيروس منبثق من خوفنا على حياتنا من الموت الذي قد يسببه كورنا، بالرغم من نسبته الضئيلة بحسب الإحصائيات والنتائج. لكن السؤال الأهم هل استعدادنا للموت كما استعدادنا لكورونا؟ ليتنا نتقي الله في وقت الرخاء حتى يكون معنا في وقت الشدة، ليتنا نحافظ على الأدعية والأذكار الشرعية في وقت الرخاء كما نحافظ عليها اليوم وقت شدة كورونا، ليتنا نحزن على عدم عمارة بيوت الله في وقت الرخاء كما نحزن على فراقها اليوم بسبب كورونا، ليتنا نحافظ على النظافة العامة والخاصة لأنها من الإيمان كما نحافظ عليها اليوم خوفا من كورونا. ليتنا وليتنا وليتنا.

ربما يكون كورونا رسالة تذكيرية لنا لتجديد إيماننا وعلاقتنا بالله عز وجل، فهو أي كورونا ربما يرحل عنا، لكن الموت لم ولن يرحل عنا فهو آتينا آتينا! بكورونا أو بغيرها، تعددت الأسباب والموت واحد.

كورنا استطاع خلال أشهر قليلة أن يفضح العديد من أنظمة الدول. وسأركز الكلام على ثلاثة قطاعات رئيسة، القطاع الصحي، القطاع الاقتصادي، وقطاع التقنية الحديثة الإنترنت.

من الناحية الصحية، كشف كورونا ضعف النظام الصحي في العديد من الدول المتقدمة ناهيك عن الدول العربية. بالرغم من التطور الهائل في مجالات التكنولوجيا، والصناعة، والفضاء وغيرها من المجالات إلا أن النظام العالمي فشل ولم يكن مستعدًا لمواجهة جائحة بحجم كورونا. فكيف بنا إن أصابنا فيروس أخطر من كورونا.

ربما يريد كورونا توجيه رسالة اخرى مفدها أن التسلح ضد الخطر الخفي أهم بكثير من التسلح ضد الخطر المرئي. غالبية دول العالم تنفق أرقامًا مضاعفة على التسلح والدفاع مقارنة بالإنفاق على قطاع الصحة. والمصيبة أن هذه الدول اليوم عاجزة عن الدفاع عن أنفسها ومواطنيها أمام جائحة كورونا.

من الناحية الإقتصادية، فهناك سؤال يطرح وهو أين دور جهات مراقبة الأسعار في وزارة الاقتصاد في العديد من الدول؟ أين الرقابة على موضوع الاحتكار والغبن؟ شخصيًا أنا أتفهم أنه في ظل الأزمات من الممكن أن ترتفع أسعار المواد الضرورية إلى حدود الضعف أو الضعفين، لكن أن يرتفع سعر السلعة إلى 20 ضعف وأكثر فهذه مشكلة، والمشكلة تكون أكبر ما إذا كانت هذه السلعة تشكل منعطف طريق في سبيل الحد من تفشي أي وباء بحجم كورونا، وتحديدًا أقصد الكمامات. فمثلًا في لبنان حيث أسكن سعر الكمامة الطبية الواحدة في الصيدليات قبل كورونا كان حوالي 10 سنت، أقل أو أكثر بقليل حسب النوع، بينما السعر خلال أزمة كورونا تضاعف  بشكل دراماتيكي. وبعض العائلات مثلا لديها على الأقل خمسة أفراد، ورب الأسرة بالكاد يوفر لأسرته الحاجيات الأساسية من طعام وشراب خاصة في ظل ما شهده لبنان من أزمات في الأشهر القليلة الفائتة، فمن أين سيأمن رب الأسرة سعر الكمامات الضرورية له ولأسرته في ظل أزمة كورونا. ونتيجة لهذا الاحتكار لجأ البعض إلى كمامات لا تسمن ولا تغني من جوع، والبعض تجاهل الموضوع بالكلية وهذا بالتأكيد عامل مهم في تفشي الفيروس.

أما من الجانب التقني، فإن فيروس كورونا ربما سيغير نظرة الدول العربية بشكل خاص إلى ما يعرف بنظام التعليم عن بعد من خلال الشبكة العنكبوتية الإنترنت. هذا النظام من التعليم موجود ومعترف به في العديد من دول العالم المتقدم بينما دولنا العربية لا تريد أن تشهد بفضل وأهمية هذا النوع من التعليم. وعندما احتاج الطلاب في العديد من الدول العربية للدراسة باستخدام الإنترنت لم نكن على استعداد من ناحية الخطط والآليات لكيفية التعلم والتعليم عبر الإنترنت وهذا فشل ذريع للأسف. والمطلوب أن تراجع هذه الدول مفهموها الخاطئ حول التعليم عن بعد وأن تركز جهودها لتطوير بيئة التعليم الافتراضي المناسبة التي تخدم المعلم والمتعلم خاصة في ظل الأزمات التي تجعلنا نلجأ رغما عنا إلى وسائل غير تقليدية في التعليم.

وأيضًا أريد أن أسلط الضوء على جانب تقني آخر لا يقل أهمية وهو تسهيل وسائل الدفع الإلكترونية عبر الإنترنت. فإن هذا العنصر اللوجستي مهم جدًا في عالم التجارة الإلكترونية. ففي ظل الأزمات وفي ظل الحجر الصحي قد يلجأ الكثيرون إلى طلب الأشياء الضرورية عبر الإنترنت لهذا يجب التفكير في طريقة إتاحة طرق دفع إلكترونية سهلة ومتوفرة تخدم المواطن العربي حيثما كان.

وفي الختام تذكر كلنا إلى زوال، نحن وكورونا يوما ما جميعًا سنفنى كل من عليها فان، لكن الحقيقة الصعبة نحن البشر من سيحاسب بالأخرة وليس كورونا! الكل سوف يحاسب بحسب مركزه عن أي خطأ فتك بالبشرية، فهل نراجح حساباتنا نحن البشر ونصحح الأخطاء التي كشفها لنا كوورنا قبل أن نغرق في جائحة أخطر من كورونا لا قدر الله.

وتذكر أن محاربة الوباء ليس مسؤولية وزارة الصحة فحسب، إنما يجب أن تتظافر الجهود كلها في كل القطاعات كالصحة والاقتصاد والإعلام وغيرها لمحاربة هذا الوباء، فيد واحدة لن تهزم كوورنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد