لا أحب الكتب زهدًا في الحياة، لكني أحبها لأن حياة واحدة لا تكفيني، الكتب هي وسائل الوصول إلى معرفة الوجود، هي النوافذ التي تطل على حقائق الحياة. الكتب هي طعام الفكر وغذاء العقول.

كما هناك ألوان من الأطعمة تجد أن هناك كتاب وفكر لكل موضوع وبكافة مجالات الحياة. يبقى لك الخيار في اختيار التغذية التي تحتاجها أنت وتريدها – الأقرب لروحك – وتلبية لحاجة العقل.

إن الفكرة الواحدة إذا تناولها ألف كاتب تصبح ألف فكرة، وذلك أن فلسفة كل شخص في موضوع ما تختلف عن الأخر مما يجعل من فكرة ما أمتع، وأكثر نفعًا، وأعمق معنى. وأخذ جميع الآراء لفكرة مفيد ونافع وهذا مما يجعل أفق الإنسان أوسع.

خذ مثلًا:

•كتب الدين تبين إلى اي حد تمتد حياة الإنسان قبل الولادة وبعد الموت. تأخذ من الأمر الواحد في مسألة ما ليعطيك كل عالم وفقيه رأيه فيها.

وهي أقرب ما يكون لضبط الحياة وأمورها فلسفة الدين تبين لك تعدد الآراء والمذاهب والأقوال في المسألة الواحدة وهو شيء إيجابي ومحبوب ومرغوب وأيسر ما يكون لعدم التفريط في الثوابت ولا تعارضها مع واقع الحياة المتجدد.

•تراجم العظماء معرض لأصناف عالية من الحياة القوية البارزة. كسير الأنبياء، والصحابة، والصالحين، والفلاسفة، والمفكرين، وقادة الجيوش، والكُتاب، والأدباء، والشعراء، والعلماء… إلى آخره.

والكتب العلمية تقدم لنا المعرفة بقواعد وأصول علم ما تعلمنا الدقة والضبط، والكتب الأدبية تعزز المشاعر الإنسانية لتجعلها أكثر تناغمًا وجمالًا وتهذيبًا، كما أن كتب الفلسفة والمنطق تفتح لنا البصيرة وتكشف لنا حقائق الحياة وتنتقل بنا من المجهول إلى المعلوم،

هكذا بالضبط لا يمكن الاستغناء عن معرفة دون أخرى والقراءة لعلم ومجال من مجالات الحياة وترك الباقي، كل علم يكمل الآخر ليصل الإنسان إلى حقيقة واضحة في مجال أفكاره. وكل القراءة لازمة.

على الهامش: لا تغني الكتب عن تجارب الحياة ولا تغني التجارب عن الكتب، نحتاج قسطًا من التجارب لكي نفهم حق الفهم.

أما أن التجارب لا تغني عن الكتب فذلك لأن الكتب هي تجارب الألف من السنين في مختلف الأمم والعصور، ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من عشرات السنين وعُمر واحد. لهذا نقرأ فحياة واحدة لا تكفي.

إن القراءة من شأنها أن تسهم إيجابًا في تطوير الشخص فتزيد دقته في تقصي المعلومات والحكم على الأشياء. كما أنها تؤثر في اتجاهات الفرد ومعتقداته، وسلوكه الخُلقي وانفعالاته.

والفرد القارئ يقوم بعملية لأزمة لزيادة كفايته الشخصية في سبيل حل مشاكل الحياة التي تواجهه.

القراءة هي التي تأخذ بأيدينا اليوم إلى إنتاج أكبر وحياة أفضل.

يقول الجاحظ: ولا أعلم رفيقًا أطوع، ولا معلمًا ولا صاحبًا أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أكثر أعجوبة وتصرفًا، ولا أقل تصلفًا وتكلفًا من كتاب، ولا أعلم قرينًا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أخف مؤونة، ولا شجرة أطول عمرًا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى من كتاب. ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة، وأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتنازحة، والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمع لك كتابًا.

والكتاب أنيس الروح ونديم القلب وجناح الفكر يجلو للقارئ مواطن السحر والجمال ويحرك فيه كوامن الشعور ويرقى بفكره على أجنحة الخيال إلى مصادر الإلهام فيسير به في شعابه المتألقة بالنور والضياء متنقلًا من روعة إلى روعة ومن عجب إلى عجب.

هذا الكون هو أقدم كتاب ألفه الخالق العظيم وما برح الناس على مدى الأزمان يقرأون سطوره ويتأملون معانيه ويتفكرون فيه.

ومن عرف سر الكون عرف سر الحياة وسر الوجود الله الذي علم بالقلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد