منْ رحم هذه الأرض السّمراء ولدوا، تنفسوا حبّها قبل الهواء، ترعرعوا فيها، وكبر في أرواحهم الوفاء، جبلوا بطينتها وامتزجوا بتربتها لدرجة أنّهم أصبحوا من معالم أرضهم، فإنْ جهلتهم فقد جهلت الأرض، رجالٌ لا تعرفهم إلّا بعد ارتقائهم، تجهلهم ميادين التّشدّق وزخرف الكلام، تتكلم عنْهم أفعالهم.

هم خط المواجهة الفعلي وسرّ صمود الأمة عبر قرنٍ يضج بكذب الحضارة وزيف الإنسانية، هم المعدن الذي يراهن عليه، إنّهم ذهب الأرض الحقيقي وروحها الجبارة في مواجهة الغرباء.

تكالبوا علينا وحشدوا حشودهم، زرعوا أعينهم بيننا ودسوا أفكارهم المسمومة فينا، ظنّوا بأنّنا لقمةً سائغة وبأنّ عهد أمجادنا ولّى بلا رجعة، اعتقدوا أنّ العربّي هو تلك الصورة التّي رسموها في أذهانهم وطبعوها لأبنائهم عنْ رؤساء العرب المنبطحين، المسلّمين نعيم بلادهم لأعدائهم، الذابحين شعوبهم لأجل مصالحهم، المجملّين خيانتهم باسم الوطنية والانتماء، المعتقدين أنّ الوطن ضيعة أبيهم وأنّه سداحٌ مداحٌ لهم.

هذا ما ظنّوه أو لنكنْ أكثر دقةٍ في الوصف، هذا ما خطّطوا للعربّي أنْ يكونه، لكنْ هيهات هيهات لأمةٍ لغتها حوتْ أعظم الحضارات إلا أنْ تحوى أعظم الرّجال، هيهات لقومٍ لا عزّ للإسلام بدونهم إلّا أنْ تكون نساؤهم ولّادةً بالفرسان الذين ينحنى التاريخ أمام بطولاتهم ليزيّن جبينه بها مدى الدّهر.

صورة العربّي التي حاولوا استبْدالها بالدياثة والصمت والخنوع، بالاستسلام والتبعية للآخر والهوان، هذه الصورة فقط موجودة في مخابراتهم حيث صنعت وبرْمجت هناك، وحاولوا ضخها وزجها في معاركنا للحرية والأوطان، فما كانتْ هذه الصورة بفعل أبناء الأرض إلّا هباءً منثورًا وزبدًا لا يمكث في الأرض، بلْ جعجعةً بالونيّةً مصيرها الزّوال.

فما زال العربّي عربيًا يعرف الخيل الأصيل وتعرفه، يتقن امتشاق السّيف للقتال لا للرقص، عربّيٌ بنخوةٍ وشهامةٍ وغيرةٍ على العرض والأرض والدين، عربّيٌ يموت ألفًا ولا يستسلم، عربّيٌ نشأ بدرب الفاتحين، وصولة الله أكبر في الميادين تمضى تزمجر ولا تقْهر، عربّيٌ يحمل أثرًا من ابن الخطاب وابن الوليد، عربّيٌ جاءكم من نبعٍ أصيلٍ لا يعكر يحمل في دمه غيرة الزبير وفي شموخه اعتداد جعفر.

دعونا ننحى الكلام جانبًا ونقتربْ أكثر لنأخذ حبر أقلامنا من بطولاتهم الحقيقية لنعرفها عن عمقٍ ونخزنها في ذاكرة جيل النّصر بأنّ هذه الأمة ما دانت لمحتلٍ يومًا.

خليل الرّحمن ومعرة النعمان

لوحةٌ بطولية رسم خطوطها وتفاصيلها محمد الفقيه ابن مدينة خليل الرّحمن الفلسطينية وعلى أثره في البطولة أحمد الحصري ابن مدينة معرة النّعمان السورية مطرزًا مفاخر على وشاح المجد لترتسم ملامح النّصر ومعالم الطريق، بأنّ هذا الدرب واحد والجرح واحد، عدوٌ واحد ونصرٌ واحد وأنّهما أبناء قضيةٍ واحدة، وإنْ لم تلتق أجسادهما في الأرض يومًا، لكنْ تلاقتْ مواقفهما الرّجولية وانتماؤهما الصادق وفروسيتهما النّادرة، تشابهتْ المشاهد من جيوشٍ حاشدةٍ حولهم ومن تحصنٍ في المنزل ومواجهةٍ بالرّصاص حتى الشهادة، والله نسألْ أنْ تلتقى أرواحهما في الفردوس الأعلى.

أولئك الشّجعان الذّين أرغموا عدوهم أن يشهد ببطولاتهم عبر شاشات إعلامه على مرأى العالم أجمع، مسّطرين بدمائهم وصمودهم حتى آخر نفسٍ وآخر طلقة ألا يمرّ المحتل إلا على جثمانهم، أوصلوا للجميع رسالةً مفادها أنّ بلاد الشام منبع رجال، ما سلّمت ولا استسلمت ولا استكانت يومًا لغاصب، وأنّكم كلّما ظننْتم أنّها استكانت خرجت لكم بركانًا أقوى حممًا وثأرًا من ذي قبل، أشاوس على الطريق عيون صقرٍ ترقبكم تمنعكم من الاقتراب أو المرور، لنْ تمرّوا على أرضٍ أنجبتْ أمثال محمدٍ وأحمد.

محمد الفقيه.. جنرال الاشتباك

مع اندلاع شرارة انتفاضة القدس وتدنيس الصّهاينة للمسجد الأقصى المبارك وتطاولهم على الحرائر المرابطة هناك وشتمهم الحبيب المصطفى كان لابد من ردٍ يريهم حجمهم الحقيقي أمام رجال الدار إذا تكلمت، في 7 يناير (كانون الثاني) 2016، نفذ محمد برفقة مجموعته عمليتهم البطولية قرب مغتصبة عتنائيل ليصبوا تراتيل الغضب القسامية على رؤوس الصهاينة هناك فيتمكنوا من قتل الحاخام المتطرف (ميخائيل مارك) وإصابة عائلته بجراح وبأخلاق الفرسان كفّوا أيديهم عن قتل أطفاله، هذا الحاخام اعتدى مسبقًا على حرائر الرباط في الأقصى وشتم النّبي صلى الله عليه وسلم في ساحاته، مما يجْدر ذكره أنّ عملية إطلاق النار كانت الأولى التي تتم بشكل خلايا في الضفة الغربية بعد انقطاعٍ طويل كما أنّ مكان التنفيذ يطابق ذات المكان الذي نفذ فيه ابن عمه الاستشهادي أحمد الفقيه اقتحامه في عام 2002 وقتْل خمسة صهاينة وإيقاع عدد من الجرحي.

من عتنائيل إلى صوريف حكاية عزٍ سطرت بالدم

لم تنته الحكاية بل بدأت من هنا، انطلقت أجهزة الموساد والجيش الصهيوني وأجهزة السلطة بتعقب الخلية التي استطاعت تضليلهم 28 يومًا، حوصرت فيها الخليل من أقصى شمالها لأقصى جنوبها كما تعرضت خلاله عائلته للاعتقال والتنكيل ومطاردة زوجته لإجهاض جنينها بالقوة وذلك لإجبار محمد على الظهور وتسليم نفسه، حتى جاء يوم 27 يوليو (تموز) 2016، وتسللت الخفافيش لبلدة (صوريف) شمال مدينة الخليل بأكثر من 33 آلية وناقلة جند وعدة جرافات عسكرية وأكثر من 500 جندي مشاة و250 جنديًا من سلاح الهندسة وطائرتان بدون طيار وطائرة هليكوبتر، وكل هذا لمواجهة محمد فقط.

أحاطوا بالمنزل وبدأ الاشتباك، جيش كامل مع شابٍ في التاسعة والعشرين من عمره لا يملك إلا سلاحه وبقى الاشتباك مستمرًا لأكثر من سبع ساعات، منعهم خلالها من التقدم، تلك الساعات السبع شهد المحتل بأنّها أطول مواجهة في تاريخ الضفة الغربية بعد الانتفاضتين وهذا لوحده كان نذير شؤمٍ لهم، وكذلك كفيلًا ليعرف الجميع أن نبض الضفة حيٌّ لا يقتل.

بعد نفاذ ذخيرة محمد قام جيش الاحتلال بهدم المنزل فوق رأسه خوفًا من الاقتراب منه، وخافوا حتى أن يرفعوا جثمانه بأيديهم فرفعوه بالجرافة.

جيش بأقوى ترسانة عسكرية وأحدث أجهزة اتصالات وعيون عملاء وتنسيق أمني على مدار الساعة وفي النهاية ابن التاسعة والعشرين يواجه جيشًا بمفرده لسبع ساعاتٍ كاملة.

أرأيتم السّر الحقيقي في ثبات الأمة أمام مخططاتهم؟ أرأيتم معدن الأرض حين يتحرك؟ إنّه لا يتحرك فقط إنه يزلزل ويؤدّب ويعاقب المحتلين فلا استجداء في قاموسه ولا هوان، خطط لرأس الحية وقتله أمام ناظري عائلته وفي منتصف الطريق تحت أعين كاميرات جيشه المنتشرة على طول الطريق وضلّلهم لمدة شهرٍ كامل وحين كشفوا مكانه حارب جيشهم وحده لأكثر من سبع ساعاتٍ متواصلة وحين استشهد لم يتجرأ أحد من جنودهم أن يقترب من جثمانه مهابةً وخوفًا.

تم اعتقال جثمان محمد في الثلاجات الباردة وحرم من دفء أرضه التى سطّر البطولات لأجل أن تحيا كريمة، ثم قررت المحكمة الصهيونية دفنه في مقابر الأرقام تحت رقمٍ مجهول لطيّ قصته عن صفحة التاريخ وذاكرة الجيل حارمةً أهله من توديعه وإلقاء نظرة الوداع عليه.

محمد كان شابًا في التاسعة والعشرين من عمره حافظًا لكتاب الله وأسير سابق لمدة خمسة أعوام في سجون الاحتلال، كان محمد يملك بيتًا ووظيفةً مرموقة وسيارة ًوزوجةً حامل ينتظر وإيّاها مولوده البكر والذي كتب له الله أنْ يحمل اسم أبيه دون أن يراه.

والمقصد هنا أن محمدًا رحمه الله ملك كل الأسباب ليلتهى عن قضيته المركزية لكنْ حين نادى الوطن متوجعًا مستغيثًا لبى محمد النداء صامتًا دون أن يدرى به أحد حتى عائلته صدمت حين سمعت أنّ ابنها الجميل الأنيق هو المطارد رقم واحد للاحتلال الصهيوني في مدينة الخليل.

أحمد الحصري.. فارس المواجهة وصانع الكمائن

مدينة معرة النعمان قبلة الثائرين ومحضن النازحين، شرارة ثورةٍ ووقود عنفوان، انطلاقةٌ واستمرار، مدينة الشهداء أهل الكرم وبيت الضيوف ولها في الميدان فرسانٌ وفرسان، وحملتْ للتاريخ أسطورةً من أساطيرها، أسطورةٌ تسمى أحمد.

أحمد مصطفى الحصري حفيد شيخ المعرة وعالمها ووجيهها الشيخ: أحمد الحصري – رحمه الله – مؤسس معهد الإمام النووي الشرعي، ولد فارسنا أحمد عام 1977 في مدينة معرة النعمان بإدلب الخضراء وسمّي أحمد نسبةً إلى جده أحمد.

كان أحمد ثائرًا متنقلًا مع ثوار بلاده في ثورةٍ عظيمةٍ يتيمة، تخلى عنْها الجميع إلا أنّها بعون الله مستمرة حتى النّصر بدم أبنائها وتضحياتهم، فإنْ كان للثورات أمًا فهي أم الثورات، إنّا الثورة السورية.

في 27 يناير مع هجوم ميليشيا أسد الطائفية بدعمٍ من الجيش الروسي هجومها على مدينة معرة النعمان وذلك بعد أيامٍ من القصف الوحشي المكثف وأطنانٍ من الصواريخ والبراميل المتفجرة التى أسقطتها على رؤوس أهل المدينة؛ مما اضطرهم إلى النزوح من ديارهم، قامت ميليشيا أسد بمحاصرة المدينة من ثلاث جهات ولم تبق إلا الجهة الغربية للانسحاب إلا أنّ أحمد رفض الانسحاب وتحصن داخل بناءٍ متصدع وكمن للجيش المقتحم، انقطعت أخباره عن أهله ورفاقه بتاريخ 28 يناير 2020 وتأخر إعلان سيطرة الاحتلال الروسي على المدينة، ولا يعلم أحد ما يدور بالداخل.

إلى أنْ أظهر مقطع مصور نشرته وكالة آنا الروسية يظهر السبب الحقيقي في تأخر إعلان نصرهم المزعوم، لقد كان السبب هو أحمد. استطاع لوحده مواجهتهم وتأخيرهم لمدة ثلاث ساعاتٍ كاملة، والضمير هنا يعود على كتائب الجيش الروسي ودباباته وميليشيات أسد الإرهابية والميليشيات الإيرانية وما صاحبهم من قطعانٍ مجمعة من هنا وهناك، وفي المقابل كان أحمد لوحده مقابل هذا الجيش المجمع من أقطاب ظلم الأرض ولم ينسحب أو يتراجع، قاتلهم حتى النهاية، وأظهرت مقاطع الفيديو المنتشرة كثافة النيران المصبوبة عليه ومحاصرة القوات المهاجمة للبناء الذي تحصّن فيه، وكذلك تواجد الطائرات والدبابات كما أظهرت رعبهم وتراجعهم خوفًا من ضرباته.

وهنا امتزجتا مدينة الخليل والمعرة تمازجًا مبهرًا بنماذج الفروسية الحصرية المتمثلة في توأما الرجولة والشهامة، محمد وأحمد، واستحقا كما أطلق عليهما فكلٌ منهما «رجلٌ بجيش».

وحمل جثمان أحمد إلى مكانٍ لا يعلمه إلا الله وحرم أهله من توديعه وإلقاء نظرة الوداع عليه، وكم كانت صدمة ثاني أقوي قوة بالعالم مريعة حين علموا أن تأخرهم وخوفهم وترددهم كان بسبب شخصٍ واحد.

هذا أحمد الذي رفض الدنية والعيش بتفضل شعوبٍ على شعبه، فظلّ حتى آخر ثغرٍ يقاتل ويسطر نماذج عزٍ وفخر بأنّ هذه الأرض ليست مشاعًا ولا ألعوبةً في يد أحد، فلها أهلها ورجالها، لها فرسانها إنْ ناءت بها الفرسان.

نماذج بطولية تروى للأجيال

وما يجدر ذكره هنا أنّ بطولة أحمد سبقتها بطولةٌ لأخيه الأصغر حكيم الحصري، والذي أرعب قوات الأسد في معسكري «وادي الضيف» و«الحامدية»، حيث قتل منهم ما يزيد عن 150 عنصرًا أثناء حصار المعسكر، إلى أنْ ارتقى لربه شهيدًا بإذن الله بلغمٍ أرضي زرعته قوات النّظام في نقطةٍ كان يقصدها للقنص عام 2014، كما نذكر هنا ببطولة ابن الرستن الشهيد بإذن الله ملازم أول محمد خلف، والذي رفض الانسحاب وقاوم بسلاحه الخفيف وقال لرفاقه: «إذا دخل الجيش الرستن فاعلموا أنّي قد استشهدت».

هل علمتم لمَ لم يستطيعوا طوال السبعين عامًا تقويض ثورة الشعب الفلسطيني وفرض سيطرتهم عليه؟ هل علمتم لم طال أمد الثورة السورية لتسعة أعوام وما زالت مستمرة ولم يتمكنوا من القضاء عليها، بالرغم من كم السلاح والجيوش التي زج بها لقتل الشعب وتهجيره؟

لأنّهم لم يجدوا بلادنا مفروشةً بالحرير لهم، وجدوها نارًا وسعيرًا تحرقهم وتحرق من جاء بهم.

لأنّ الأرض أنجبت رجالًا ربتْهم جيدًا على المباديء، زرعت في دمهم الإباء والغيرة، هؤلاء هم السر وهم القوة الحقيقية التي نمْلكها بعد الله عزوجل، هؤلاء هم الذين كسروا مخططات المخابرات العالمية بحبهم وصدق انتمائهم وعظيم تضحيتهم.

سيكتب التاريخ يا عالم الغرب الكاذب أنّكم دخلتم بلادنا ودفعتم ثمنًا لم تتخيلوه، ورأيتم بطولات من أصغر أطفالها ليست في أكبر أكبر فرسانكم.

ما أجملهما! سوريا وفلسطين حين يرسمان الدرب بكل يقين، ثباتًا وصبرًا بطولةً ورباطًا حتى تحط الرّحال في ساحات الأقصى المبارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد