إنها الانتخابات الأولى من العام 2005 التي لا يستجدى فيها سلاح حزب الله ولا النظام السوري في معركة الشعار والتحشيد الانتخابيين.

في انتخابات العام 2009 كان سلاح حزب الله هو نجم المعركة بامتياز. وفي العام 2005 كان النظام السوري خصمًا وحيدًا في ظل التحالف الرباعي الذي اجتمع فيه رافضو السلاح مع حزب الله على لائحة واحدة، واختار رجل متبصر يومها خسارة بعض المقاعد النيابية بديلًا لخطر الانزلاق نحو الحرب الأهلية.
تغيب كل هذه الشعارات و الأدبيات السياسية في معركة 2018 الانتخابية. طبعًا يبقى الكلام الكلاسيكي عن رفض التبعية وعن دور الجيش والسيادة لكن أدوات المعركة في مكان آخر.
اجترح العقل اللبناني شعارًا واحدًا لحملته اسمه العداء للفساد والمحسوبية. وهذا العداء هو نجم المهرجانات الخطابية ونجم إعلانات الشوارع وما تذيل به صور المرشحين ويافطاتهم.

إنها موجة العداء للفساد التي تجمع الحق مع الباطل، والفاسد مع النظيف، والمجتمع المدني مع التقليد، والإقطاع مع الأحزاب، ومن في السلطة مع من خارجها. «مهرجان وطني» بكل معنى الكلمة يجمع فيه اللبنانيون على كره الفساد بنفس قوة اجتماعهم على حب الأرزة.

الفساد وضرورة محاربته أمر مفصلي لكل من يحب أن يرى مستقبلًا له ولأبنائه ولوطنه في بلد كلبنان. فالبلد يقبع في ترتيب مهين على لائحة الدول الأكثر فسادًا في العالم. والفساد في لبنان لم يعد فساد أفراد بل بات فسادًا مؤسساتيًا بنيويًا يشترك فيه الناس مع السلطة والقطاع العام مع القطاع الخاص والطوائف مع بعضها البعض، وباختصار تحول المرض إلى ثقافة استمرار وباتت علة الجسم علة وجوده.
لكن مقاربة الفساد في حملات الوصول بأكبر عدد من النواب إلى الندوة البرلمانية واللعب على مشاعر الناخبين يعتمد منهجية «تطهرية» بامتياز، وشهر سلاح الحرب عليه بعدة انتخابية مكتملة. فالبلد اليوم يتشكل من مزيج من «الملائكة والقديسين» الذين جمعهم الله (معاذ الله) في هذه اللحظة التاريخية لمحاربة «شيطان» الفساد المتمثل في رجل واحد.
رجل واحد نعم، هو المسؤول عن الفساد في بلد استنزف خلال عشرات السنين، حتى بلغ مجموع ما أنفقته الدولة منذ نهاية الحرب (منذ 28 عامًا) ما يقارب 300 بليون دولار أمريكي، منه دين عام بلغ 80 بليون دولار أمريكي، 40% منهم ذهب إلى جيوب وحسابات الفاسدين بحسب معظم التقديرات المحايدة.
إنها الحرب على الفاسد الأوحد، والحرب على نفقات سفره ومشاريعه (اقرأ مشاريع) التي كلفت لبنان كل هذا الإنفاق وكل هذا الدين وكل هذا الفساد. أطراف سياسية تتحالف لتعطي لبعضها البعض براءات ذمة تعفيهم من فسادهم وتحيل الفساد إلى نموذج شخصاني يتمثل برجل واحد هو المسؤول عن كل هذه اللاأخلاقية السياسية الفاسدة. يتحول هؤلاء إلى أعداء لفساد يسهل إطاحته إذا قمنا بإسقاطه على شخص واحد وأطحنا بشخص واحد.

يقول عالم النفس سيجموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي: يشير الإسقاط  إلى حيلة لا شعورية من حيل دفاع الأنا بمقتضاها ينسب الشخص إلى غيره ميولًا وأفكارًا مستمدة من خبرته الذاتية يرفض الاعتراف بها.

يذكرني هذا الوضع بمحارب خمسيني لمعت صورته في آخر سني الحرب، وقف وحيدًا أمام «دعاة سلام» لبسوا فجأة ثيابًا بيضاء وبات هو وحده «المجرم المتمرد» الذي يمنع اللبنانيين من التلاقي ويفسد على زعماء الحرب نعمة كرههم للحرب ومحبتهم لبعضهم البعض.
هناك شخصان في التاريخ يفصل بينهما 1300 عام. مسيلمة، مدعي النبوة الكاذبة، وغوبلز، أبو الدعاية السياسية الكاذبة، والذي اشتهر بتعبير «اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس». لو عاد مسيلمة وغوبلز أحياء في هذه الأيام لاحتقروا أنفسهم لقلة درايتهم وقلة حيلتهم وأسالييهم البدائية ولجلسوا في صف متأخر يتعلمون براعات آخر زمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد