أرض واحدة هذه التي نعيش فوقها، وكائنات من نفس النوع نحن مهما رفضنا واحتججنا ونفينا ذلك، المسلم والبوذي نوع واحد، اللاديني والملحد صنف واحد، كلنا بقدمين وقلب واحد وعينين اثنتين، هذه البقعة لنا جميعًا وهذا الأكسجين من حق الجميع أن يستنشقه، ولنا كامل الحرية في كل شيء، وتنازُلنا عن بعض حقوقنا كان لصالح الإرادة العامة وليس لصالح قوة مطلقة وجبروت لا يُقهر.

هذا ما يجب على كل فرد منا أن يفهمه، لكن المعضلة أن كل فرد منا قد سُيّس لصالح قادة العالم، أغشية مطاطية تغلف عقولنا ليستعصي علينا استيعاب المؤامرات التي تُحاك في الخفاء، بطرق سلسة كرسوا فينا العبودية، وأقنعونا أنهم العظماء ونحن الفقراء إليهم، أنهم السادة والأمراء ونحن الحاشية.

وبسحر ما ورغم ملايين وآلاف الأدمغة التي نمتلكها جميعًا، ورغم الأديان والمعتقدات، ورغم وجود العلماء والعقلاء، ورغم أطنان الكتب التي تغزو الأرض، ورغم كل شيء اقتنعنا أن الأرض قد كُتبت باسمهم، أنهم كائنات أكبر منا تملك حق الوصاية علينا، أنهم آلهة الأرض يستحوذون عليها ونحن يجب أن نكتفي بالفتات، ومن تمرد كان قربانًا للجميع، لم نفهم بعد أنه إن تمردنا جميعًا فهم من سيكونون قرابين لنا، لم نفهم بعدُ أنهم مثلنا خُلقوا من نفس طينتنا وباستطاعتنا إقصاؤهم، لم نفهم بعد أننا كُثر، نفوقهم أضعافًا. لم نفهم بعد أن إرادتنا مجتمعة أقوى من العالمين.

كوكب واحد ومئات المجازر تغزوه من مشارقه إلى مغاربه، مسلمو الروهينجا في ميانمار بمثابة حفل شواء للبوذيين، واللون سيد صراع العنصرية السوداء البغيضة، والجوع والأمراض تفترس جنوب أفريقيا بأطفالها وكهولها وشيوخها، والقوة العسكرية تستبيح دماء المنتفضين في وجه القمع والظلم بدول عدة.

كوكب واحد هو الذي يظم كل هؤلاء وآخرين كثرًا، منهم من يقيمون قممًا ومجالس كبرى ليقفوا على إحدى أكبر معضلات الكون، كنملة في الصحراء انقرض نسلها أو حوت في القطب الشمالي لُوثت مياه محيطاته، وكأن سكان ميانمار الذين هم على وشك الانقراض وُجدوا على كوكب آخر، والبيئة المحشوة ببقايا الأعضاء البشرية تبعد بأميال عن الأرض، هناك في آخر نقطة بالمجرة!

ألم ننظر يومًا إلى الأسفل، هناك عند أخمص أقدامنا تمامًا، تلك الأرض الصلبة، آآه نعم لقد وُجدنا على كوكب واحد، ومتزاحمون على هذه الدائرة المستديرة، ألم نلاحظ أن السماء التي فوقنا واحدة، ألم ننتبه أن الهواء واحد أيضًا، أتساءل إذا كنا قد انبثقنا من العدم ووضع كل واحد منا سياجًا رادعًا يفصله عن كل الأحداث التي تتنامى خارجًا باستثناء ما يصطدم مع مصالحه الشخصية، وهذا حقًا ما هو كائن.

فالإنسانية التي ضج بها العالم تبرأت منا في اللحظة التي قررنا فيها أن نكون عبيدًا لمصالحنا وذواتنا ونزواتنا، في اللحظة التي أصبحت فيها جلودنا سميكة، وقلوبنا قاسية، وأفكارنا محايدة، فأصبحنا منعاء لا نُقهر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العالم, ثقافة, رأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد