الحاجة الي الثورة علي كل ما هو خاطئ

شهد السودان وما زال احتجاجات تزداد وتيرتها وتتسع رقعتها لتشمل الكثير من المدن السودانية،  تلك الاحتجاجات التي بدأت مقدمة لثورة على نظام حكم سياسي قائم غير أنها سريعًا ما امتد أثرها اجتماعيًا لتغير من نظرة المواطن السوداني لنفسه للآخر، ذلك الآخر الذي طالما عانى من عنصرية بذرت بذورها يد السلطة ولكن ما هذا الآخر إلا مواطنًا سودانيًا خالصًا عليه من الحقوق ما يقابلها من الواجبات التي يخدم بها بصورة أو أخرى بلاده، ثلاثون يومًا كانت كافية لتزيل غشاوة ثلاثين عامًا من مشاعر بُغض الآخر وكراهيته وعَنصَرتَهُ استنادًا على نوعه أو لونه أو دينه ففي الشارع السوداني باتت كلمات مثل «عبد – خادم» مصطلحات متداولة بصورة واسعة لاحتقار الآخر والتقليل من شأنه حيث ينسب مطلقها لنفسه شرفًا رفيعًا وحقًا متأصّلًا يعجز الآخر عن الوصول إليه.

مع تشكل درجة عالية من الوعي لدى الشباب في الشارع السوداني اليوم، صارت الاحتجاجات الأخيرة مقدمة لثورة على الكثير من المفاهيم الخاطئة والعادات والتقاليد البالية، فاتهامات الحكومة لحركة متمردة انطلقت من إقليم دارفور غربي السودان بقيادة أعمال العنف والتخريب التي صاحبت الاحتجاجات قابلها المحتجون بهتافات على شاكلة «يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور» تلك العبارة التي كسرت جبالًا من الجليد تشكلت بين مواطن الشرق والغرب نتيجة الحرب في إقليم دارفور فوصل صداها للشارع في مدن دارفور فهتف المحتجون هناك «يا عنصري وغدار عطبرة الحديد والنار» في إشارة لمدينة عطبرة شمال شرقي السودان والتي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات، لا شك أن مثل هذا الوعي من شأنه أن يشكل خطرًا على أنظمة الحكم التي تتخذ من شعار «فرِّق تسُدْ» أساسًا لبسط سيطرتها على المجتمعات، لذلك وجب الثورة على هذه القيم والمفاهيم وآن لشجرة الكراهية أن تُبتَر وآن لِنَاي العنصرية أن يُكسر، لذلك صارت الثورة على المفاهيم التالية واجبًا وطنيًا مقدسًا.

ثورة على الجهل والفقر والمرض

الجهل تلك الفاتنة الجميلة حبيبة المستبدين فما من حاكمٍ أراد لحكمه الخلود إلا وتحالف معها، حيث يشكل حكم مجتمع جاهل يسهل السيطرة عليه دينيًا وخداعه باسم الدين وتنصيب القادة الدينين أئمة علىه يوزعون صكوك الغفران ومنازل الجنان على مؤيديه ويسلطون سياط العذاب ويحددون مقاعد الجحيم لمعارضيه النموذج الأمثل لأي حاكم أراد أن يسيطر على المجتمعات، أضف إلى ذلك أن الجهل يقود المجتمع للإيمان بالخرافات والتمسك بعادات بالية تخدم مصلحة هذا الحاكم أو ذاك، ولكن إذا كان المجتمع متعلمًا بصيرًا بحقوقه حارسًا لها يصعب على أي حاكمٍ كان أن يستبد، ويمثل الجهل كذلك صديق حميم لنظيريه الفقر والمرض حيث إن المجتمع الجاهل بأساسيات الصحة والنظافة الشخصية والوقاية من الأمراض تتفشى فيه الأمراض ويصعب علاجها، كذا الحال بالنسبة للفقر فالمجتمع الجاهل بأساسيات سُبُل كسب العيش وغير المؤهل للمنافسة في سوق العمل محليًا ودوليًا والذي يفتقر للتدريب والتعلىم يكون مصيره الفقر المدقع لا محالة.

ثورة على العنصرية وكراهية الآخر

بَذَر المستعمر بذورًا للعنصرية وكراهية الآخر لا تزال قائمة حتى اليوم، حيث استغلتها أنظمة الحكم المتعاقبة لتوطيد حكمها وتعميق فجوة الخلاف بين المواطنين، ففي الجنوب عاني المواطن الجنوبي من كراهية على نطاق واسع وعنصرية على أساس العرق واللون والدين والمُعتقد، حتى صار يعتبر نفسه مواطنًا من الدرجة الثانية في هذا البلد الأفريقي لا يرتقي لنظيره المسلم عربي الأصل ذي البشرة غير السوداء من شمال البلاد، حيث أدت السياسات الخاطئة إلى شن حرب ضده على أساس ديني انتهت بتقسيم السودان إلى دولتين واحدة يحكمها حاكم مسلم ذو بشرة غير سوداء ذو نسب رفيع وأخرى يحكمها مسيحي ذو بشرة سوداء يُنظر إليه باعتباره «عبدًا» في دولة الشمال.

وفي الغرب الذي قاوم آخر سلاطينه المستعمر ورفض تسليم البلاد له عمِل المستعمر والحكومات الوطنية من بعده على تظهير أوجه الاختلاف بينه ومواطن الشرق والشمال، فالمستعمر رأى فيه خطرًا كامنًا يجب تحييده وفصله عن مراكز القوي نكاية فيه على مقاومته له في بداية دخوله السودان واتقاءً لأخطار مستقبلية من الممكن أن يضر بها مصالحه في البلاد، أما الحكومات السودانية المتعاقبة فلا أجد عذرًا لها على اتخاد سياسات أدت إلى تولد مشاعر الكراهية والعنصرية تجاه مواطني الإقليم، عانى مواطنو إقليم دارفور لعقود من مشاعر الكراهية والعنصرية على أساس اللون والعرق واللغة، حيث صار يُنظر للقبائل الأفريقية التي تسكنه وتتحدث اللهجات المحلية باعتبارها أقل مرتبة من نظرائهم الذين يتحدثون العربية ولربما تطلق علىهم عبارات مثل «أنت عربي ولا عجمي» والمقصود بالعجمي هنا كل ما هو غير عربي سواء كانت عروبة لسان أو عِرق أو لون.

لبناء مجتمع متحضر يجب التخلص من كل هذا الميراث الذي لا يخدم تقدم الأمم وتطورها، حيث يجب على الشباب وهم الجيل الصاعد الذي لا زالت القناعات لديه في مرحلة التشكُل تقبل الآخر، لأن الخمسين عامًا القادمة لن يشهدها أصحاب القرار اليوم بل سيكون شباب اليوم هم من يقرر ويشكل ملامح تلك المرحلة، وأن يرمي الجميع وراءه مشاعر الكراهية والعنصرية للخروج بمجتمع مُعافى قادر على قيادة ثورات لتصويب كل ما هو خاطئ.

ولضمان استمرارية ثورات التصحيح يجب اعتماد مجموعة من القيم السودانية تقوم على تقبل الآخر والانفتاح أكثر فأكثر على جميع البشر من خلفيات عرقية ودينية مختلفة، ورفع الوعي بضرورة النظر إلى العقول واستثمارها حيث إن بناء الأوطان لا يحتاج إلى لون محدد أو دين معين بل يحتاج إلى عقول تفكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد