رؤية نقدية لفهمنا لشبكة العلوم على خلفية قانون سنو سيء السمعة

 

 
في البدء لم تكن شبكة، في البدء كانت الفلسفة، مبتدأ العلوم ومنتهاها. لم يكن تفكير الفيلسوف يردعه رادع، فحلق في سماء الإبداع في الميكانيكا والكيمياء والهندسة والطبيعة وما وراءها، تمامًا كإبداعه في سبر خفايا النفوس واختلاف البشر، في تصور ما وراء المحسوسات والتحليق في سماء التفكير الإبداعي، حتى الوصول إلى عتبة الماهية والأسرار الكبرى.

 
ومع ازدياد حجم المعرفة البشرية فكرةً فكرة وتغليب الفرد احتياجاته الأساسية على العلم المجرد بسبب خشونة الحياة وتصاعد الصراعات والحروب، ظهرت بدعة التخصص شيئًا فشيئًا، حتى صار كل فردٍ منا منقطع في لون من ألوان العلوم لا يدرك أهمية غيره أو حتى وجوده، جهل محض مركب أدى إلى تنافر شبكة العلوم حتى تمزقت، وصرنا نرى العالم من حولنا من عدسة رمادية لا ترى إلا لونًا واحدًا فقط، حتى لو علم أحد الفلاسفة الأول بحالنا لأسمانا “أصحاب الحرف من الرعاع” كما تكلم رولان أومنيس على لسانهم في مقدمة كتابه “فلسفة الكوانتم” الذي صدر مترجمًا للعربية عن دار المعرفة الكويتية.

 
مع اقتراب الخط الزمني من القرن التاسع عشر، تراكم هذا التنافر حتى أدى إلى فجوة هائلة ما بين التطبيقي والإنساني، حتى نفى البعض صفة “العلم” عن هذا الأخير وصنفها كـ”إنسانيات”. ومع تقليدنا واستيرادنا لكل ما هو غربي، نقلنا هذا المفهوم المشوه إلى تصورنا عن شبكة العلوم، حتى صارت الفلسفة سبة والتفلسف ينبع عن الفراغ وانعدام المسئولية يوصف بها كل من غرد خارج سرب عالم أفكار المجتمع.

على الجانب الآخر، الغربي، وبسبب وجود من ينقد تصورات المجتمع على الدوام، ويعرضها على ضوء العقل ومشكاة المنطق، انتبه لهذه الفجوة الجسيمة “سي.بي.سنو” في محاضرته الشهيرة المثيرة للجدل “الثقافتان”، حيث جمع “سنو” ما بين تخصصه في الكيمياء الفيزيائية، وكونه من روائي إنجلترا في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، فجمع ما بين العلم التطبيقي والإنساني.

يحكي “سنو” في محاضرته، وبصفته الأدبية، عن محاوراته مع العديد من العقول الأدبية في إنجلترا وأبناء طبقتها الثقافية العليا ضمن العديد من المناسبات، فإذا ما سئل أحدهم عن “القانون الثاني في الديناميكا الحرارية “طأطأ رأسه أو أشاح بوجهه معرضًا، مع أن هذا السؤال يتساوى تمامًا مع سؤالك أحدهم “هل قرأت عملًا لشكسبير؟!”، ثم يردف “سنو” قائلًا إنه حتى لو سئلوا عن مفاهيم فيزيائية غاية في البساطة، كالكتلة والتسارع، فإن واحد من أصل عشرة فقط سيعطيك إجابة تشي عن فهم جيد، مع أن هذا السؤال يعتبر المثيل الفيزيائي لـ”هل تجيد القراءة والكتابة؟”!!

جل المصيبة يظهر لك عندما تعلم أن معظم هذه المفاهيم وضعت في الأساس كفلسفات إنسانية، ثم جاءت الفيزياء بعد ذلك بقرون لتثبتها بالتجربة، فالقانون الثاني للديناميكا الحرارية “والذي بات يدعى قانون سنو سيء السمعة” ينص على أن أي نظام معزول يتجه ولا بد نحو العشوائية “الأنتروبيا” حتى يصل إلى النهاية الحتمية. بمعنى مبسط أكثر فإنه يقول إن أي شيء يسير من التعقيد إلى العشوائية إذا تم عزله عن أي مؤثر خارجي. لو تمعنت فيه فسترى أنه مفهوم فلسفي بالأساس، معلوم بالضرورة والبداهة لكل متفلسف وأديب، يسري على النفوس والعلاقات الاجتماعية، كما يسري على الأنظمة الحرارية والمواد المشعة والكون، لكنه يجهل ماذا يجهل، ما يطلق عليه المناطقة “الجهل المركب”.

بالتأكيد لا يدعو “سنو” ولا أنا من بعده إلى نبذ التخصصية والعودة إلى الفلسفة فقط، فحجم المعرفة البشرية في ازدياد يعيي كل متابعٍ أو محصٍ، ولكنها دعوة يائسة إلى التحريض على العلم بالعلوم المختلفة والقراءة عنها قبل القراءة فيها، في ما بات يعرف الآن بـ”فلسفات العلوم”، والاهتمام بالفنون الوسيطة الجامعة ما بين العلوم المختلفة، فالعالم من حولنا لا يمكن معرفة حقيقته بالنظر المجرد من خلال نافذة لون واحد من ألوان العلوم، كما الغرفة المتسعة لا تبصر جلها من ثقب المفتاح الضيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, علوم, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد