نولد على هذه الأرض بين ضجيج كل هؤلاء البشر. فمنذ اللحظة الأولى نسمع الضجة من حولنا ونكبر في وسطها حتى نألفها فتصير شيئًا عاديًا لا نلقي له بالًا.

نكبر وندخل المدارس، نجتهد ونذاكر ونتفوق، ندخل الجامعات ونسير في طريقنا الذي نراه إنجازًا وهو لا يكون سوى كما يفعل كل الناس من حولنا. ثم بعد ذلك ندخل في دوامة الأعمال، فزواج فأسرة فمسئولية ثم ماذا؟ ثم نموت.

أكبر إنجاز لي في الحياة أن أصبحت مديرًا للشركة الفلانية أو طبيبًا بارعًا في تخصصي وتركت لأولادي الأموال والعقارات ثم ماذا؟ هل عشت في حياتي تاركًا البصمة التي خلقت من أجلها، أم أنها بصمة باهتة مثلها كباقي بصمات البشر من حولي.

في أوقات كثيرة من حياتنا نشعر بالتميز – ربما هو شعور يخبو مع تقدم العمر – وكثير منا يمضي في حياته قدمًا ناسيًا أو متناسيًا ما هو هنا لأجله.

هل كلنا خلقنا هنا لنكون ناجحين بمقاييس المجتمع وفقط؟ هل قدر لكل منا أن يعيش حياته كما عاشها فلان؟ أصبحنا نقيس النجاح بأمثلة حولنا نريد أن نكون تمامًا مثلها متجاهلين أن هذا الشخص الناجح ما كان ليكون كذلك إلا لأنه قام بتجربته الفريدة ليحقق نجاحه هو لا ليحاكي نجاح غيره.

خلقنا في هذه الأرض لنكون خلفاء فيها، فكل منا خليفة بطريقته وموهبته التي رزقه الله إياها.

فلماذا نبحث عن طريق مرسوم لنا مسبقًا؟ نريد أن نرى خطوات نحذو حذوها تمامًا كما فعل فلان. لنرى من هو في نفس ظروفي كيف حقق نجاحه؛ إذًا فطريقه هو طريقي، ولكن من الذي قال ذلك؟!

وضعنا المجتمع في إطار محدد فظللنا نكبر داخل هذا الإطار وخفنا أن نتقدم أكثر فنكسره. الخوف وربما لذة الشعور بالأمان كانت قائدًا لنا فخفنا أن نرسم الطريق بأنفسنا وقررنا أن نسلك هذا الطريق أو ذاك.

لم نفكر يومًا أن نفتح هذا الباب قبل أن نسأل هل سلك هذا الطريق أحدهم أم أنني ربما أكون من القلة السالكة أو ربما لا أعلم من سلكه ونجح؛ فتجد الكل تراجع ولم يفكر حتى في فتح الباب ونصنع قيودًا لنخفي خوفنا. نحن لا نعترف بالخوف وإنما نتحجج بطول الطريق أو بمشقته أو بأي من القيود التي نصنعها من جهلنا وخوفنا.

أما أنا فبدأت أرى بصورة أخرى. لماذا نفترض أنه طريق واحد فقط؟ يسر الله لنا سبلًا شتى وكلها لنصل في النهاية إلى الغاية من وجودنا، إلى عبادتنا له وعمارتنا لأرضه، وتسخيره كلًّا منا للآخر. فلماذا أحصر نفسي في طريق واحد وأضيق على نفسي طرقًا أخرى للوصول.

النجاح ليس عملًا فقط وإنما دراسة وعمل وأسرة وتطوع وكل سبل الحياة التي لا تعد ولا تحصى. تحرُّرنا من القالب الذي وصف لنا طريق التميز والنجاح هو بذاته أكبر إنجاز، فلنسأل أنفسنا من الذي وضع هذا التعريف؟ أو من الذي رسم هذا الطريق وهل أنا مجبر على السير فيه؟

لا أدعي أن الإنسان قادر على التميز في كل شيء ولكني أؤمن أنه قادر على السعي في كل ما عزم عليه. فعلينا السعي وعلى الله التوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد