أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.

تلك الجملة التي طالما اُجتزأت من سياقها وكُتبت على صور لا تنتمي إليها، لم نسمع البحة المحترقة في صوت غسان كنفاني وهو يسأل “صفية” سؤاله هذا، لم نرَ الدمع المتردد في عينيه أثناء كتاباتها وهو يلملم روحه كي يكمل السطور التي نصر في كل مرة أن نحذفها لنكتب نفس السؤال ثم نمضي دون نعرف ما هو الوطن، رغم كل الأغنيات  والقصائد –الراقي منها والمبتذل- والروايات المبيعة والمهداة التي تناولت الوطن كموضوع، إلا أن الوطن يبقى سؤالا لن نستطيع الإجابة عليه ولو اجتهدنا.. حتى أن تميم الشاعر قال لسائليه عن حب مصر:

روحوا اسألوا مصر هيّه عندها الإجابات

فاستبدلنا الاجابات بأيقونات نضعها في طريقنا للبحث عن المعنى، زيّنا الجدران المتهالكة لبيوت المخيم وصدور اللاجئات العجائز بمفتاح للدار رغم أن الدار نفسه قد سُرق أو هُدم وقامت على أشلائه ناطحة سحاب تُفتح بواباتها إليكترونيا دون الحاجة للمفاتيح التي اهترئت حبالها وكسا معدنها الصدأ.

فكيف نُجيب عن سؤال هربت منه تلك المُسنة خوفا من أن تمزق جسدها البراميل العمياء، وعادت إليه بعد أن تركت الخوف في بلد اللجوء بعدما قُتل الكثير من شباب عائلتها.

وكيف تكتب الكلمات في وصف  المكان الذي إن أقيمت عليك فيه عقوبة النفي تشعر وكأنك تركت فؤادك ورحلت حتى وإن نفوك إلى أجمل بقاع الأرض.

في مراحل التعليم الأولى حينما كان يُطلب منا كتابة موضوع تعبير عن حب الوطن كنا نستشهد دائما بقول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة: أمَا والله لأخرج منك، وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلىَّ، وأكرمه على الله ، ولولا أن أهلك أخرجونى منكِ مَا خرجت”.

ثم نتناسى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام عاد إلى المدينة مرة أخرى ليكمل فيها ما تبقى من عمره –على الرغم من أنه عرف بعد فتح مكة أن أجله قد اقترب- لأن يثرب كانت وطنه فعلا لا اسما، ودُفن هناك ولم يوصِ بأن يُنقل جثمانه إلى مكة مثلا!

هل شاهد الأدباء  “طوابير” طلبات الهجرة أمام كل سفارة حتى ولو كانت لدولة لم تسمع باسمها من قبل حتى بات مصورو “الاستديوهات” يحفظون شروط الصور الشخصية لكل مستند عن ظهر قلب؟ والأفكار التي تأتيك فتدخرها لحين خروجك من بلدك؟ وهل رأوا لمعة عين شاب يُنكر جنسيته الأصلية ويتصف بأخرى مكتسبة بعد سنوات الاغتراب كي يحافظ على إنسانيته التي ضاعت في أرضه؟ وهل سمعوا بأصحاب “الوطن” وهم يلهجون بـ “ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها”؟

ربما تكون في ما يُسمى وطنك وتشعر بالـ Home sick حتى وإن لم تسافر من قبل إلى أي بلد آخر كحال فيروز وهي تقول:

أنا عندي حنين ما بعرف لمين

ليلي بيخطفني من بين السهرانين

بيصير يمشيني لبعيد يوديني

تا أعرف لمين وما بعرف لمين

الوطن لا يتغير بتغير لون جواز سفرك، الوطن ليس شرطا أن يكون جنسية تُكتب في خانة ما، الوطن قد يكون بيتا ولربما زاوية ما في بيتك تشعر فيها بالحميمية مع روحك أكثر من أي مكان آخر في الكون، الوطن يُختصر بين ذراعيّ الأم، أو في صوت أب قَلِق، الوطن يُلمس بين أصابع يد من تحب، حرف في اسم صديق، الوطن أن يحدث ما نتمناه لنا وله.

يا صفية.. خبّري غسان أن حكيم زماننا قال: وطن يعني حضن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهجرة, الوطن, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد