العلاقة بين الشعب والسلطة من أكثر الأمور التي يتناقش فيها علماء الاجتماع السياسي، من يؤثر في من؟ ومن يتحكم في من؟ هناك من يرى أن السلطة هي المؤثر الأساسي في الشعب وهي التي تستطيع أن تغير ملامحه وطباعه خصوصًا إذا حُكمت بالقهر والظلم والاستبداد، فالعلاقة بين السلطة والشعب ذات اتجاه واحد تُؤثر السلطة في الشعب ولا تتأثر هي به.

 

 

 

 

 

 

وهناك من يرى عكس ذلك، فالشعوب هي التي تخرج حكامها وهي التي توليهم، والحاكم ما هو إلا فرد من هذا الشعب يتصف بصفاته ويأخذ ملامح شعب وطباعه، فالعلاقة بينهما علاقة تبادلية، يتبادلان التأثير في بعضمها، ولا يهيمن أحدهما على مصير الآخر.

 

 

 

 

 

 

المجتمعات التي تُحكم بالاستبداد والظلم والقهر هي من النوع الأول، الذي يتأثر ولا يُؤثر، هي مستقبِلة فقط، تميل على ميل سُلطاتها، ومع مرور الزمن تتغير طباع هذه الشعوب لتأخذ طباع حكامها، تحكُمهم السُلطة بالاستبداد فيتعامل أفراد الشعب بالاستبداد والتسلط فيما بينهم، تقهرُهم السلطة بالظلم والقوة فيتظالم أفراد الشعب فيما بينهم ويأكل بعضهم بعضًا وتتوجه مشاعر الغضب والحنق ناحية بعضهم البعض، بدلًا من أن تتجه ناحية السلطة.

 

 

 

 

 

 

 

 

تراثنا به بعض المقولات والمرويات التي تؤيد وجهه النظر التي تدعي تأثير الشعوب في السلطات، وقدرتها على إحداث التغيير، ومن أهم هذه المقولات حديث النبي: “كما تكونوا يولى عليكم”، وقول العالم الجليل ابن الجوزي: “من أعمالكم سُلط وعليكم”، ومع البحث والتدقيق في هاتين العبارتين تلاحظ أنهما استُخدِمتا في غير محلهما، واُسقطتا في غير موقعهما.

 

 

 

 

 

 

  • كما تكونوا يُولى عليكم

الحديث المروي عن النبي وهو: “كما تكونوا يُولى عليكم”، أنقل لكم تخريج علماء الحديث له، فهم يقولون { فحديث: كما تكونوا يولى عليكم. رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلًا، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم من المتقدمين الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله،

 

 

 

 

 

ومن المتأخرين الشيخ الألباني رحمه الله فقد جمع طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/490، وحكم عليه بالضعف. ثم قال: والواقع يكذبه، فإن التاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو }، وكلام الشيخ (الألباني) واضح جدًا في هذا، يؤكد أن السلطة هي المتغيرة دائمًا، وهي التي تؤثر أكثر، وهي الفاعل الأقوى في العلاقة ذات الاتجاه الواحد.

 

 

 

 

 

 

وكذلك الشيخ ابن باز – أيضًا – لا يراه حديثًا بل يراه من قول السلف، فهو يتراوح بين الحديث الضعيف أو قبول السلف، وشيء كهذا لا يُبنى عليه قاعدة ولا يكون أساسًا لتوجه، فلا هو حديث صحيح قطعي الدلالة والثبوت فنؤمن بصدقه لأنه قول من لا ينطق عن الهوى، ولا هو قرآن فنؤمن به لأنه كلام رب العالمين، وبالتالي فهو مما يؤخذ منه ويرد.

 

 

 

 

 

 

وهناك دليل واقعي تاريخي يوضح ذلك، فولاية سيدنا (عمر بن عبد العزيز) في أقصى تقدير كانت سنتين وستة أشهر، وانتشر فيها العدل وملأ الدنيا، وفاضت خزائن البلاد بالخيرات، واختفي الفقر والبؤس، حتى أن خازني بيت مال المسلمين لم يجدوا فقراء ليعطوهم الزكاة، أما قبله وبعده فعادت الأمور لما كانت على سابقها.

 

 

 

 

 

 

فهل من المعقول أن الذي تغير هو الشعب وطبيعة الناس؟! وكيف في سنتين تُغير شعبًا للأحسن وتجعله يؤثر في السلطة؟! ثم بعد سنتين ينقلب هذا الشعب على عقبيْه وينتكس مرة أخرى! فهذا بميزان العقل غير مقبول، وبميزان الزمن غير معقول.

 

 

 

 

 

 

ولكن الذي تغير هو رأس السلطة فقط، وهو الذي قضى على الثالوث المقيت – الاستبداد والظلم والقهر – ونشر العدل والحرية والمساواة، فازدهرت البلاد ومعها ازدهرت الحياة، واختفى الفقر والفساد، ومعها ازدهرت حالة المحكومين.

 

 

 

 

 

 

ووُجد لأبي منصور الثعالبي المتوفي سنة 429هـ في كتاب مطبوع اسمه (لطائف المعارف) قولًا لطيفًا يصف حال المجتمع في زمن الخلفاء الأمويين فيقول: “كان الأغلب على عبد الملك بن مروان حب الشعر، فكان الناس في أيامه يتناشدون الأشعار ويتدارسون أخبار الشعراء، وكان الأغلب على الوليد بن عبد الملك حب البناء واتخاذ المصانع وكان الناس في أيامه يخوضون في رصف الأبنية، ويحرصون على التشييد والتأسيس،

 

 

 

 

 

 

 

 

وكان الأغلب على سليمان بن عبد الملك حب الطعام والنساء، فكان الناس في أيامه يصفون ألوان الأطعمة ويذكرون أطايبها، ويستكثرون من الحرص على أحاديث النساء، ويتساءلون عن تزوج الحرائر، والاستمتاع بالسراري، ويتجاوزون في الباه، وكان الأغلب على عمر بن عبد العزيز حب الصلاة والصوم وكان الناس في أيامه يتلاقون، فيقول الرجل لأخيه: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ وبكم تختمه؟ وكم صليت البارحة؟ وهل أنت صائم؟

 

 

 

 

 

 

وكان يزيد بن عبد الملك يحب الخيل وكان الناس يتنافسون في اختيارها، ويتقربون إليها، باتخاذ الأجود والأحسن منها، وكان هشام بن عبدالملك يحب الثياب ونفائس اللباس وكان الناس في أيامه يتبارون في التجارة فيها، ويتواصفون أنواعها، وكان الوليد بن يزيد صاحب لهوٍ وشراب وسماع، وكان الناس في أيامه يتشاغلون في الملاهي ويترخصون في النبيذ ويقولون بالسماع، وقد صدق من قال: إن الناس على دين ملوكهم والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها).

 

 

 

 

 

  • من أعمالكم سُلط عليكم

مقولة “من أعمالكم سُلط عليكم” هي من خواطر العالم الجليل (ابن الجوزي)، وتوحي بأن ما ينزل بنا من مصائب هو من أنفسنا ومن تقصيرنا، وهي من كتابه (صيد الخاطر) في الفصل العاشر، فهناك من يراها دليلًا على العلاقة التبادلية بين السلطة ومحكوميها، رغم أن الطرح الذى يلي العبارة يتحدث عن أمر آخر، وإذا رجعت للكتاب ستتأكد من ذلك،

 

 

 

 

 

 

كما أنها تتكلم عن كل فرد منفردًا، بمعنى أنه إذا فعلت المعاصي والذنوب، فانتظر من الله البلاء، حتى البلاء كلمة لها معانٍ كثيرة وتفرعات كثيرة، وليس شرطًا أن يكون البلاء تخلف الدولة وركودها، فهذه المقولة عندما تقرأ نصها وشرحها في الفصل العاشر بالكتاب تشعر أنها تتحدث عن الفرد والعلاقة مع الله والمعاصي والذنوب والجنة والنار، حال المرء مع ربه، والكتاب نفسه كتاب رقائق وزهد.

 

 

 

 

 

 

 

فلو اعتبرناها دليلًا على أن أي شعب ذا طبيعة فاسدة لا بد له من ضياع وانهيار، فبالله عليك فسر لي كيف ساد الغرب العالم وتسيد عليه؟! رغم أن على أرضهم يحدث كثير مما لا يرضي عنه الله عزوجل، من جرائم وذنوب ومعاصٍ تشيب لهولها الولدان!

 

 

 

 

 

 

 

فلو طبقنا عليهم المقولة واعتبرناها حقيقة قطعية لا تقبل التفسير أو التأويل أو حتى الخطأ، فكان لا بد أن يخسف الله بالغرب الأرض، لكن سنن الله غير هذا، سنن الله في قوة الدول وازدهارها وتقدمها مختلفة تمامًا عن هذه المقولة، فأينما اختفى الثالوث المقيت – الاستبداد والظلم والقهر – ازدهرت الأمم وتقدمت وسادت العالم ولو كانت فاسدة أخلاقيًا وذات طبيعة مُعْوجة، وإن الله ليقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، فسنن الله في إقامة الدول ترتكز على إقامة العدل فيها، وليس شرطًا صلاح أخلاق رعيتها، ونقاء طبيعتهم، والمُطالب بتحقيق العدل وتنفيذه السلطة.

 

 

 

 

 

 

 

 

سنن الله في خلقه واضحة المعالم جلية التفاصيل، ودليل تقديم الشعوب وازدهارها معروف، الحرية والعدل والمساواة، طريق التقدم والازدهار، الظلم والقهر والاستبداد طريق التخلف والركود والجهل، الطريقان واضحان والدول التي صارت على كلا الطريقين نرى الفرق الشاسع بينهما، وهذا ليس في الحاضر فقط، بل في الماضي أيضًا، فالتغيير لا بد أن يأتي من الرأس أولًا وهي البداية الحقيقية وبعدها تأتي الفروع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد