لقد كشف التطور التكنولوجي في عصرنا الحالي عن إفرازات جديدة أضافت للحياة اليومية للإنسان زخمًا روتينيا، فأصبح الاعتماد على الإنترنت حاجة ضرورية من قبل الصغير قبل الكبير لما لها مزايا وأهمية بالغة، فنجد معيار التي يقاس به قوة الدول هو مدى امتلاكها وتحكمها في التكنولوجيا وكيفية إدماجها في العديد من المجالات، وما عاشه العالم في الآونة الأخيرة قلب الموازين في كل شيء تقريبا بسبب ما خلفه هذا الوباء العالمي كوفيد 19 وما زال الأمر كذلك، فالمتتبع لمجريات ما يقع في العالم يلاحظ أن العديد من الدول سارعت في احتواء الوباء من جهة والتفكير، فإيجاد حلول وبدائل لإنقاذ الحياة الروتنية المتعود عليها الأشخاص حتى في ظل هذه الفترة العصيبة. فيما تمثلت هذه الحلول وما هي القرارات المتخدة من قبل أصحاب القرار؟

من بين المجالات المهمة التي هي بمثابة خط الدفاع الأول والأخير للأمة، نظرا للأهمية التي تحملها بغض النظر عن الظروف والعراقيل التي تقف حاجزا أمامها هو مجال الاقتصاد القلب النابض للأمة للاستمرار على قيد الحياة، أضف إلى ذلك مجال التعليم العقل المفكر الذي يقود الأمة إلى التطور والريادة، وفي هذا الصدد نستذكر مقولة مالك بن نبي في تأكيده على الأثر البالغ الذي يكتسيه التعليم، إذ يقول: الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها «وكذلك عندما سئل الفيلسوف اليوناني أرسطو في كيف يمكنه أن يحكم على إنسان ما أجاب: أساله كم كتابا قد قرأ وماذا يقرأ؟ فحين سئل الكاتب والفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون عن القراءة قال «القراءة تصنع إنسانا كاملا، المشورة تصنع إنسانا مستعدا والكتابة تصنع إنسانا دقيقا» من هنا يتضح جليا المكانة التعليم والأثر الذي يحققه من وراء ذلك.

أما إذا تحدثنا عن طرق التعليم فهي أنواع متنوعة من بينها: التعليم التقليدي الذي يكون داخل المؤسسة التعليمية، فالطالب والأستاذ حاضران جسديا، النوع الثاني الذي يتضمّن الدراسة بالمراسلة التي يتبادل فيها الطلاب المواد التعليمية مع مؤسستهم من خلال البريد، فتطوّرت الدراسة بالمراسلة لتتحوّل في يومنا هذا إلى التعلّم عبر الإنترنت. وهو أشهر أشكال التعليم عن بعد في يومنا الحاضر. الجدير بالذكر أنّ التعليم عن بعد قد يتمّ بشكل كلّي عن بعد أي لا يكون الطلاّب فيها حاضرين جسديًا في المؤسسة التعليمية أو قد يتضمّن بعض أساليب التدريس التقليدية. وهنا يُطلق عليه التعليم الهجين (المخلوط بين التقليدي والتعليم عن بعد). فالتعليم عن بعد قرار وركيزة أساسية أخذته دول العالم حلا في هذه الفترة بالذات للاستمرار في طلب العلم.

تعتبر الدول الأجنبية منها الأمريكية والأوروبية سباقة في العمل بهذا النوع لما له من مزايا وإيجابيات كالمرونة فتلقي المعلومة من جهة وفي التعامل مع الأستاذ من جهة أخرى والحرية التي يتيحها هذا النوع، فيصبح الطالب هو سيد القرار والمسؤول الأول عن اختيار أوقات التعلم بما يتناسب مع جدول أعماله الذي يحفزه للدراسة، غير أننا نلاحظ في الدول العربية التي أرادت هي الأخرى أن تقفز قفزة نوعية باستخدامها لهذا النوع الذي حتم عليه الأمر ذلك بسبب ما عكف عنها من أزمة عصفت بعديد بمجالاتها مخلفا خسائر مادية ومعنوية فسارعوا أصحاب القرار فيها باستحداث العديد من المنصات الإلكترونية لتسهيل التواصل بين الطالب والأستاذ ظنا منهم أن مهمتهم انتهت عند هذا الحد، بالرغم من أننا لا نشك من أن التعليم عن بعد والتحفيز الذاتي في بيئة تغيب فيها الأستاذ أو المقارب تخلق من الطالب شخصًا مسؤولًا تجاه نفسه لبنائها وتطويرها.

لكن لا يمكننا أن نخفي أمر وجود هذه التقنية في هذه الفترة بالذات لها وعليها بين مؤيد ومعارض، لكن دعنا نفصل في الأمر وذلك من خلال نقاط سنعرضها كالتالي:

1- حقيقة استخدام هذه التقنية كان بدافع الحاجة والظرف الذي فرض الأمر، فلو قمنا بأخذ أمثلة عن الجامعات الأجنبية وأعرقها التي أخذت تعمل بهذه التقنية لسنوات كجامعة كولومبيا في نيويورك، جامعة هارفاد، جامعة أوكسفورد… والكثير منهم حتى نجدهم أخدوا يبحرون في انتهاج طرق أخرى للتعليم عن بعد.

2- في ظل التذبذب الإنترنت الذي يرهق الكاهل ويضيع الوقت في انتظار المعلومة تصل في زمن السرعة والآنية في تلقي المعلومة الذي أصبح هاجسًا لبعض الطلبة، وحجة للبعض الآخر في عدم الدراسة لم يوقظ هذا أصحاب القرار في توفير تسهيلات لطلبة في هذا الشأن، هذا ما جعل «التعليم عن بعد» مجرد شعار وواجهة يستعرض فيها القوي عضلاته أمام العامة وما خفي أعظم.

3- عجز الكثير من المؤسسات التعليمية في التعامل مع هذه التكنولوجيا، وذلك في نشر الدروس والتطبيقات بل حتى التفاعل مع الطلبة في ظل وجود ثنائيتين الأدوات والإمكانيات متوافرة في مقابل عدم التمكن الجيد والحسن في استخدام هذه الوسائل، وفي هذا الصدد سألت صديقًا كيف حاله مع الدراسة والتعليم في هذه الفترة، فأجاب أن الأستاذ إلى الآن لم يتصل بهم بالإنترنت سوى عن طريق الهاتف معبرا أنه لا يجيد استعمال الإنترنت ولا يمتلك حسابًا بحجة أنه كبير السن.

وفي الأخير، كيف يمكن لهذه هذه القيمة التكنولوجيا التي لم يستعن بها في وقت الرخاء أن يستنجد بها في وقت الشدة بدون وضع خطة محكمة للعمل بها، بالرغم من أنها أصبحت الحل الوحيد للخروج بأقل الخسائر، فكان الأولى على أصحاب القرار في الدول العربية تهيئة البنية التحتية في التمكن الجيد لتقنية. ويبقى السؤال مطروحًا من خلال ما تم تناوله سلفا هل التعليم عن بعد في الدول العربية نقمة أم نعمة في ظل القرارات المتخذة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم, الدول
عرض التعليقات
تحميل المزيد