في البداية، وبشكل شخصي، أكره المقالات التي تبدأ بـ “في البداية، هذا المقال ليس كذا..” تستند مقالات الرأي إلى تفسير معين للحقائق، نفي أحد التفسيرات هو احتكار لتفسير مجموعة الحقائق التي يستند إليها الرأي، بمعنى أن كاتب المقال يرغب في أن ترى الأمور كما يرى، وأنه ليس مسئولاً عن أي فهم آخر للكلام، كأنه مسئول عن القارئ ويخشى عليه من الفهم الخاطئ بحنان أبوي.

 

وبناءً عليه، أعتقد أن هناك طريقتين لفهم المقال: الأولى هي أن يفهم أنه دفاع عن حق الإلحاد أو عن الإلحاد ذاته. والثانية هي أن يفهم المقال كمحاولة لفهم الظاهرة واستبعاد الأسباب المزيفة التي تقدم كأسباب لها من أجل فهم أفضل. في الحالتين، أو في أي حالة أخرى، يقع عبء تفسير الكلام على من يقرأ.

 

يرتبط الكلام عن الإلحاد بمصطلحين: الكلام أولاً عن “موضة الإلحاد” والكلام عن “الملحدين الجدد”. من السهل ملاحظة أن هناك رغبة في إضفاء الجدة على الإلحاد أو وصفه بكونه ظاهرة في المجتمع المصري، وأنه بالتالي ليس أصيلاً.

بشكل عام، تمتاز الموضة، أي موضة، بميزتين أساسيتين. أولاً: لا سبب منطقي لاتباعها إلا تأثير المحيطين بك. وثانيًا أنها تتحلل وتختفي مع الوقت. يمكن من خلال النظر لهاتين الميزتين فهم أسباب إلصاق كلمة الموضة بالإلحاد: لا سبب منطقي لكي يلحد أحدهم. هو يتبع الموضة فقط لا غير التي انتشرت عقب الثورة كنتيجة طبيعية لكسر كل القيود. الشباب فقط يتبع الموضة وهذا كل ما في الأمر. وسيعود هؤلاء الشباب لصوابهم لأن الموضة ستختفي من تلقاء ذاتها بدون الحاجة لأي مجهود من جانبنا.

 

يمكن هنا فهم لمَ يتم الحديث عن الإلحاد بوصفه موضة. يستبعد وصف الإلحاد بالموضة أي احتمال لوجود مشكلة في الطرح الإسلامي بشكله الحالي، أو شكله عمومًا. لا دليل على أن “موضة” الإلحاد ستتوقف لمجرد وصفها بأنها كذلك. الكلام عن موضة الإلحاد مستمر لثلاث سنوات.

 

يتجاهل الإسلامي تلك الحقيقة على حساب الطمأنينة الزائفة التي تمنحه إياها كلمة موضة: كل شيء سيصير على ما يرام. لا مشكلة في الطرح، فقط سنصبر حتّى يعود هؤلاء إلى صوابهم عندما يعود أصحابهم إلى صوابهم.

 

يتخذ الكلام منحى آخر عند الكلام عن الملحدين أنفسهم، أو الملحدين الجدد. تلصق صفة الجدة هنا لنفس الأسباب، ويستتبعها الكلام عن أن هؤلاء لم يقرأوا كتابًا واحدًا في حياتهم، وأين ذهب “زمن الإلحاد الجميل”؟ حيث كان الملحد موسوعة متحركة في الفلسفة والمنطق والفيزياء والأحياء والتاريخ.

لا يعرف الشاب الملحد الجديد الكوجيتو الديكارتي أو الـcategorical imperative ولا يملك أدنى فكرة عن ماهية نصف قطر شوارتزشيلد.

 

تحصن تلك الحجة، كسابقتها، الدين نفسه. هنا يستبطن الإسلامي اعتقادًا بأن الدين قوي لدرجة أنه لا ينقض إلا من خلال معرفة موسوعية عند صاحب الطرح اللا ديني. مع إن قضية وجود الإله هي قضية منطقية، وأكبر حجج المؤمنين بالإله هي حجة منطقية في جوهرها: أعني هنا الحجة الكوزمولوجية التي تتكلم عن أن كل موجود لابد له من موجد.

قد تصبح الحجة الكلامية عند الشخص الذي اعتاد القراءة أفضل من غيره، لكنه لا ينفي أن جوهر القضية في الأساس منطقي، ولا يحتاج لكل ذلك الكم من العلوم الذي يطلبه الإسلامي كشرط مسبق قبل انتقاد الدين.

هناك بالطبع النقطة الأطرف على الإطلاق في طرح الإسلاميين: الملحد مريض نفسي. هنا يصبح الادعاء الأساسي هو مسألة لا علاقة لها بصحة الموقف نفسه، تصبح هجومًا شخصيًّا ولا علاقة له أساسًا بالطرح. هناك بالفعل أسباب نفسية وراء أي قرار يتخذه الإنسان، ما علاقة ذلك بصحة الطرح عند الشخص الملحد نفسه؟

 

 

في النهاية، وعلى عكس الأسطورة الشائعة بأن الملحد مكتئب بطبعه ويعاني من اضطرابات نفسية، تذهب الدراسات ناحية الاعتقاد بأن الصحة النفسية عند الملحد أفضل منها لدى نظيره المتدين. في دراسة شملت 8000 شخص من 7 دول حول العالم لمدة سنة كاملة، وجدت الدراسة أن الأشخاص المتدينيين، أو الروحانيين، أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب من الأشخاص الملحدين.

 

هناك عدة تفسيرات لتلك الظاهرة من بينها ببساطة أن الملحد يتقبل الأحداث السيئة في حياته بشكل أفضل نظرًا لعدم اعتقاده في وجوب أن يعامله الكون بطريقة معينة. هو يدرك، نتيجة لقناعاته، أن الكون لا يكترث به، وهو ما يمنحه تقبلاً أفضل للأحداث السيئة. بينما يضع الشخص المتدين، نتيجة لقناعاته أيضًا، آمالاً كبيرة على الكون، وأن يسير العالم في اتجاه معين يخدم مصالحه وتطلعاته، مما يجعله أكثر عرضة للإصابة بالإحباط، وبالتالي الاكتئاب. من الممكن قراءة تفاصيل الدراسة هنا

 

يمنح بعض المتدينين الملحدين الحق في أن يمارسوا حرية التفكير من باب أن الشك هو طريق الإيمان، وأنه من حق الجميع أن يفكروا، حيث إن التفكير هو بداية الوصول للحقيقة.

 

تعتبر تلك النظرة للموضوع تجليًا آخر للفكرة الساذجة المرتبطة بالحريات: أنت حر، طالما لا ترتكب أخطاء. هنا خدعة مزدوجة: لا يفرط المجتمع في ثوابته، حيث إنه لن يقبل الخروج عنها، تصادر تلك النظرة الحق في الخطأ وتقصر الحرية على ما هو مقبول مجتمعيًّا فقط، وفي نفس الوقت يعطي المجتمع نفسه الحق، بكل صفاقة، في أن يدعي تبني قيم التقدم والحرية من خلال الكلام عن أنك حر ما لم لن تضر.

 

لا أحد يعرف ما قيمة تلك الحرية التي لا تمنحك نفسها قبل أن تصادر عليك ما يجب أن تفعله: أي تهزم نفسها. تتشابه تلك النظرة مع الكلام عن أن الشك هو بداية اليقين في هذه النقطة، من ناحية أنه يقصر حريتك على مسألة فعل ما هو مقبول أو أن تنتهي حريتك في التفكير لأن تصل لما يحدده لك المجتمع، وتفوقها سذاجة لأنها تتجاهل أحد أشد الأمور بداهة على الإطلاق، وهو الشك الذي يعرف الطريق الذي يمشي فيه وإلى أين سوف يقودك، ليس شكًّا على الإطلاق بقدر ما هو محاولة مسرحية لإضفاء الموضوعية على اليقين الذي لم تتخل عنه لحظة واحدة.

 

إذا كنت تعرف أن شكك سوف يقودك ناحية استنتاج ما فأنت لم تسلم نفسك للشك لحظة واحدة من الأساس. تتضمن تلك الفكرة أيضًا النظر للدين كأنه النهاية المنطقية الوحيدة للتفكير المنطقي المنظم، من حق المتدين أن يرى ذلك بالطبع، وإلا لم يصدق في دينه هو بالذات، لكن الأزمة تبدأ عندما يقود الشك الملحد ناحية مناطق أخرى غير تلك التي يتوقع المتدين أن ينتهي إليها الملحد، وتبدأ من بعدها الاتهامات والكلام عن الحدود. يلخص هذا المقطع للشيخ سالم عبد الجليل تلك النظرة:

 

تكتسب ادعاءات الخصوصية الثقافية لكل مجتمع قوتها من كون تلك الادعاءات قابلة للاختبار والالتقاء مع ما هو مختلف عنها بلا خوف. هنا تصبح الخصوصية الثقافية مقولة صحيحة بالفعل لأن البدائل قد عرضت على المجتمع واختار المجتمع، ممثلاً في أفراده، أن يستمروا في الاعتقاد بمجموعة القيم المستقرة في مجتمعهم.

 

فيما عدا ذلك، يصبح الكلام عن الخصوصية الثقافية عن طريق تحصينها وحمايتها هو ادعاء وقح في الأساس، لأنه يطلب أن يتم الاعتراف به دون أن يقدم أي دليل على صحته. بعيدًا عن حرية الاعتقاد وحرية الرأي والتعبير، فهي كلها حريات محدودة في مسألة أنت حر ما لم تضر السابق ذكرها، من مصلحة القائلين بأي ادعاء عن أي خاصية ثقافية لأي شعب (التزامه بدين معين أو مجموعة عادات وتقاليد مجتمعية) أن يفتحوا المجتمع لكي لا تقع مقولاتهم تلك في تناقض بسيط للغاية: سنصادر على حق الناس في الاختيار، لأننا نخشى عليهم أن يختاروا، بكامل إرادتهم، ما لا يريدون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد