مضي الشعوب بمضي أقدارها، فلا تستقدم عمرًا و لا تستأخر آخر. هكذا توالت السنين على الأفراد بتوالي أتراحهم وأحزانهم، آلامهم وآمالهم، بغضهم وحبهم. هذا الحب الذي كان صلة وصل صغارهم قبل كبارهم، ليبرز بينهم شعراء تغنوا في قصائدهم بمعاني الحب ومقاصده، أمثال أحمد شوقي والمتنبي.

إنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرّتِهِ فَلَيْتَ أنّا بِقَدْرِ الحُبّ نَقْتَسِمُ

قد زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الهِنْدِ مُغْمَدَةٌ وَقد نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالسّيُوفُ دَمُ

فكانَ أحسَنَ خَلقِ الله كُلّهِمِ وَكانَ أحسنَ ما في الأحسَنِ الشّيَمُ

من أوجه متعددة لا تختلف شعوبنا الآنية عن التي مضت، فلكل منا صراعاته الدينية والثقافية، وخوفه وفزعه من انعدام الأمن و الآمان؛ مما جعل من الحب غاية وجب تواجدها في زماننا أكثر من أي وقت مضى. فهل لازالت أواصل الحب قائمة لدى المواطنين فيما بينهم؟ أم انقطعت بانقطاع أنفاس أولئك الشعراء؟

حاء باء. لا تكاد تنطق الحرف الأول حتى يتبادر بداخلك الثاني، فهي كلمة صغيرة المبنى، كبيرة المغزى، مظلومة المنحى، ففي عصر الصورة الذي نعيش فيه اتجه العديد من الأشخاص إلى تحديد الحب في اتجاه واحد نحو المرأة كشهوة جسد فقط، مخرجًا إياه من مختلف مناحي الحياة التي تشمل حبَّ الدين والوطن والأسرة والناس كافة، و قبل كل هذا وذاك: حب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

للفرد فيما يعيشه من تحديات خارجية وتنافسية عالية أعذار لاندثار مشاعر الحب لديه وتملك الأنانية لقلبه وتغليب نزعته الفردية على الجماعية. فأصبح بذلك أسيرًا للكراهية، بدلًا عن أن يكون محاطًا بمشاعر الحب التي حصرها في حب ذاته فقط.
حبُّ الذاتِ الذي يدفع الرجل لحب امرأةٍ جميلة تُمْتعه ويُغري امرأة لحب رجل غني يدلِّلها. لتصبح مشاعرهم مرتبطة بالجمال والغنى، بدل المودة والرحمة اللتين تؤسسان الارتباط الأسري مصداقًا لقوله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
حبُّ الذاتِ الذي يُحرِّض الإنسان على حب إنسانٍ آخر يعطيه، لتتحول مشاعر الأخوة إلى مصالحَ نفعيةٍ قد تؤول بالمرء إلى معصيةِ الخالق لقوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.
حبُّ الذاتِ الذي صار شعارًا يَتغنى به الأفراد، غافلين عن سمات الحب الحقيقية التي تتمثل في أن تحب شخصًا دون منفعة ولا شهوة ولا قرابة، أي أن تُحبَّه في اللهِ.
الحبُّ في اللهِ الذي جاء به القرآن الكريم، بكلِّ معانيه وشموليته، والتي فُسِّرت في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام: أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي.
الحبُّ في اللهِ الذي يحثُّ على البر والتضامن والإيثار في علاقات الأشخاص فيما بينهم، ويبغض كل إثم وتخاذل وأنانية لقوله سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
الحبُّ في اللهِ الذي يسمو بالإنسان إلى أعلى درجات الحب وأعظمها، ليصير آدميًا، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويرى في المرأة سَكينةً لروحه، ومن أفعاله مرآةً لما في قلبه.

لمن لا زال يسأل نفسه عن الحب: حرفانِ لا غير، شفافٌ وبسيط، يَسكنُك ولا تسكنه، يُجاورك في أقوالك وأفعالك ويقاربك في سكناتك وحركاتك، ربما تَعيشُه اليومَ وقد تُحاسبُ عليه غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد