في ضوء ما تم بحثه في ورقة المقال البحثية (1) بعنوان «الفلسفة الإسلامية المعاصرة في علم الوجود ج(1)  التي نشرت في موقع ساسة بوست. هذه الورقة البحثية هي تكملة لها وتعتبر (الجزء الثاني).

ملخص الورقة

هذه الورقة البحثية ستحاول عرض ملخص لقوانين الوجود، محتوى قوانين الوجود، أمثلة عملية على كيفية عمل قوانين الوجود في الواقع، مفهوم الكتابة والمكتوب على الإنسان، علاقة قوانين الوجود مع قدرة الإنسان على تأجيل الموت إلى المستقبل.

1. ملخص قوانين الوجود

قوانين الوجود هي قوانين ما هو موجود من المخلوقات في الكون (كونية، بشرية،حيوانية ونبايتة، جنية، ملائكية …إلخ). طبيعة هذه القوانين هي أنها تحكم سير الأحداث الكونية التي تحصل يوميًا في الكون، والأحداث الإنسانية التي تحصل يوميًا في حياة الإنسان. الهدف العام لقوانين الوجود هو تنظيم حركة وحصول وعمل الأحداث في واقع حياة كل إنسان وفي المجتمع الإنساني باعتبارهم جماعة يعيشون مع بعضهم، ولتنظيم حركة وتطور وعمل المخلوقات الكونية في الكون.

هدف هذه القوانين هو ليتمكن الإنسان من الترقي والصعود في مراتب الاستخلاف في الأرض للمجتمع الذي يعيش فيه (بالإصلاح والتطوير والتعمير وحماية الحريات والحقوق) ليحقق السلام، وأيضًا ليترقى في المقامات والدرجات والرتب الأخلاقية عند الله. أي تكون عبدًا من عباده تطيعه بملء حريتك الشخصية دون أي إجبار من أحد، وهذا يكون بالسعي للحصول على المعرفة بقوانين الوجود التي تنظم عمل الكون كله ثم تطبيقها في الواقع.

ولتحصل على المعرفة يجب أن تستعمل العقل وأدواته (بالشك في صحة المعلومات والمفاهيم التي تنقل لك وفي صحة أعمالك اليومية، الاختلاء بغرض التفكير، جمع الآيات القرآنية التي تتكلم عن الموضوع، استنباط قوانين الموضوع من الآيات القرآنية ومن الآفاق) ثم إصدار القرار وفعل في الواقع بتطبيق القانون الذي استنبطته.

2. محتوى قوانين الوجود

هي مجموعة من العوامل التي باندماجها والتقائها مع بعضها يشتغل فورًا القانون فيصبح واقعًا. هذه العوامل قد تكون عوامل طبيعية في سياق البيئة الكونية الطبيعية (مثل العامل الأول وهو تبخر الماء إلى الهواء، ثم العامل الثاني تكوين سحابة موجبة وأخرى سالبة، ثم العامل الثالث تلقيح السحابة الموجبة للسحالبة السالبة، ثم نزول المطر فهذا يسمى قانون المطر). وقد تكون عوامل فيزيائية أو اجتماعية أو ثقافية أو مالية تلتقي مع بعضها في سياق حياة الإنسان لتحدد طبيعة الواقع الذي يعيشه. وسنأتي لاحقًا لضرب أمثلة عملية في جزئية أنواع قوانين الوجود.

مكان حصول هذه العوامل هو واقع الانسان اليومي في مجالات الحياة الإنسانية المختلفة مثل (مجال العلاقات الاجتماعية من صداقات نافعة أو فاسدة، مجالات العلاقات الأسرية من أسرة مصلحة أم مفسدة، المجال المادي من فقر أو غنى، المجال المعرفي من جهل أو علم، المجال الصحي من مرض أو عافية، المجال النفسي من سعادة أو فرح).

إذن كل شي يحصل في واقع الإنسان هو مجموعة من العوامل التي إذا التقت مع بعضها قادت إلى تفعيل أحد القوانين الإلهية التي خلقها الله لتنظم حركة وعمل وتغير وذهاب وقدوم وتطور الأحداث في حياة الإنسان يوميًا. فالقوانين الإلهية تعمل بمجرد أن تصدر أفعال في الواقع سواء كانت إيجابية أو سلبية، هذه الأفعال تكون إما مبنية على جهلك بقوانين موضوع محدد أو علمك بها. بهذا إذا لم تسع لمعرفة قوانين الله في كل موضوع، فستكون اخترت الجهل، بهذا ستكون دائمًا مسجونًا تحت قوانين الجهل.

3. أمثلة عملية على كيفية عمل قوانين الوجود

مثال (1) قانون الاشتعال: عندما تلتقي مجموعة عوامل اشتعال النار مع بعضها البعض في الواقع يتكون لنا قانون يسمى «قانون اشتعال النار». فبالتقاء العامل الأول (عود الكبريت) مع العامل الثاني (الأكسجين من الغلاف الجوي) مع العامل الثالث (الوقود)، بالتقاء هذه العوامل الثلاث مع بعضها يشتعل العود بالنار فيراه الإنسان ويحس به في الواقع، وليس فيها وهمًا. وهذا يعني معيار حصول أي شي لك هو التقاء مجموعة عوامل مع بعضها فتحدث في واقعك يوميًا.

مثال (2) قانون الموت: سافر شخص إلى دولة أجنبية وقرر البقاء فيها، وقرر شراء وقيادة سيارة. بمجرد قيادته لها مات بحادث مرعب. هنا التقت مجموعة عوامل الموت في واقعه فحدث له الموت فيسمى «قانون الموت». فموت إنسان في حادث سيارة يعني أن مجموعة عوامل حصول الحادث التقت مع بعضها فقادت إلى وقوع الحادث فمات. فعند دراسة أسباب وقوع حادث السيارة نجد أن هناك مجموعة من العوامل أدت إلى وقوعه مثل (جهله بنفسية سائقي السيارات في هذه الدول والله لم يأمره بالجهل، جهله بثقافة وعادات القيادة للسائقين في هذه الدولة والله لم يأمره بالجهل، وجهله بقوانين وضوابط المرور في هذه البلدة والله لم يأمره بالجهل والغباء، جهله بحالة الطقس وأثره على السائقين والله لم يأمره بالجهل…إلخ). فهنا بسبب إصداره لفعل (قيادة سيارة) بالإضافة لجهله بقوانين القيادة في تلك الدولة وعدم تطبيقه لها، قاد إلى التقاء عوامل حصول حادث سيارة له فمات بقانون الموت الصارم.

لهذا عندما يموت أحدهم في حادث سيارة، يجب ألا يقول الناس أن الله أراد له هذا، ولا أن الطبيعة قتلته، بل يجب أن يقولوا أنه مات بسبب إصداره فعل (قيادة السيارة) على جهل بقوانين القيادة المحلية في تلك البلدة بالإضافة إلى جهله بقوانين الموت والحياة التي لو عرفها لاستطاع تأخير الموت، ثم المشاركة في اختيار عوامل موته في المستقبل. لهذا نحن نرفض ما يقوله عامة المسلمين من أن هذا «قدر إلهي له» يقصدون به أن الله كتب عليه هذا بالإجبار قبل خلقه بأنه سيموت بواسطة حادث سيارة وبتلك الطريقة وهو لا يستطيع أن يغير هذا في الدنيا وبالتالي هو ضحية.

مفهوم الكتابة والمكتوب – القوانين الإلهية

المفهوم السائد لمعني «كتب الله عليك» و«مكتوب عليك» عند أغلبية عامة المسلمين والفقهاء والمتصوفة اليوم هو أن الله كتب عليهم واقعهم الحالي أي قهرهم بخيار واحد أحادي في الواقع، لهذا عليهم أن يخضعوا لإرادة رب العالمين التي اختارت لهم واقعهم. فمثلا يقول أحدهم: «الله كتب عليّ ظروف فقري هذه أو ظروف مرضي هذه»، أو يقول آخر: «هذا مكتوب يا صديقي فعلينا أن نؤمن».

بينما ما يقولونه يعتبر أولا خدعة يمارسها جماعة المسلمين بتسمية الأمور بغير مسمياتها الحقيقية لكي يبرر عدم مسؤوليته عن أعماله في الواقع، ويعتبر ثانيًا مغالطة لغوية لمعاني الكلمات في معاجم اللغة العربية، ويعتبر ثالثًا تعارضًا صريحًا مع آيات كتاب الله، ويتعارض مع ما هو موجود في الواقع من حقائق. الصحيح هو أن الله «كتب عليك» أي نفذ عليك القوانين التي تنظم عمل الحياة وتجازي بالحق (إما بالثواب او بالعقاب) حسب أفعالك العملية المبنية على جهل أو على علم بسياق أي موضوع مع امتلاكك لحرية الاختيار. فإذن أنت من يكتب واقعه بيديه.

أولًا: يقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة لمعنى (كتب) في اللسان العربي «الكاف والتاء والباء أصل صحيح يدل على جمع شيء إلى أشياء» المصدر (معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، الجزء الخامس، باب الكاف، صفحة 158). فيقول المفكر والمثقف «ألفت كتابًا» أي: صغت وكونت مجموعة من المعلومات والأفكار التي بالتقائها مع بعضها أنتجت موضوعًا مفهومًا.

ثانيًا: الكتاب يعني صياغة مجموعة من المفاهيم والأفكار التي بجمعها والتقائها مع بعضها تشكل موضوعًا مفهومًا.

ثالثًا: كتاب الله هو مجموعة من الآيات التي بجمعها والتقائها مع بعضها تشكل موضوعًا مفهومًا.

رابعا: يؤكد تعالى أن كل مواضيع الحياة المختلفة، صاغ لها الله مجموعة من الآيات التي بجمعها من كتابة العزيز تشكل كتابًا محددًا وهذا ما تؤكده الآية أن كل شيء أحصاه الله في «كتاب» داخل كتابه العزيز بدليل قوله «وَكُلَ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا» النبأ (29).

مثال على كتابين داخل كتاب الله: موضوع البر وموضوع الفجور في الأعمال، صاغ ووضع الله لهم مجموعة آيات قرانية في كتابه العزيز، بمجرد جمع الآيات التي تتكلم عن البر والفجور مع بعضها البعض تشكل كتاب نسميه بـ«كتاب البر» و«كتاب الفجور»، وهذا ما تؤكده الآية «كَلَا إِنَ كِتَابَ الْفُجَارِ لَفِي سِجِينٍ» المطففين (7)، «كَلَا إِنَ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِيِينَ» المطففين (18). خامسًا: كيف يكتب على الله شيء؟ بمجرد أن تجمع آيات كتاب البر من كتاب الله ثم تستنبط منها القوانين أو الشروط التي تجعلك من الأبرار، ثم تحولها لأفعال في الواقع وفقًا لحريتك الشخصية، فهنا تكون مستحقًا أن يجازيك الله بقانون الثواب (بأن تكون قريبًا منه وتكون في نعمة دائمة في الدنيا)، ويصبح مكتوبًا عليك من الله أن تكون من الأبرار في الواقع بدليل قوله: «إن الأبرار لفي نعيم». المطففين (22). وهذا يعني أنك أنت من تكتب كتاب أقدارك في الواقع والله لم يكتب عليك شيئًا. 

السؤال: إذا كان كتاب الله يتكون من مجموعة من الكتب التي تتكلم عن مواضيع الحياة المختلفة، فلماذا يتوجه (عامة المسلمين والفقهاء والخطباء والدعاة والمفتين) بالبحث والتفكير والتدبر في كتب أئمة الفقه وكتب التابعي هذا وكتب الشيخ ذاك ثم ينقلونها لبعضهم البعض نقلًا ببغائيًّا دون عقل، ولا يتوجهون أولا بالبحث والتفكير والقراءة والتدبر للكتب الموجودة داخل كتاب الله العزيز؟

لهذا نقول أن كتاب الله هو مجموعة من الكتب تتكلم عن مواضيع الحياة الإنسانية المختلفة مثل (كتاب الصحة والمرض)، (كتاب الموت والحياة)، (كتاب العلم والجهل)، (كتاب الغني والفقر). فكل كتاب منها يتألف من مجموعة من الآيات القرآنية التي بالتقائها مع بعضها تشكل كتابًا. كل كتاب يحتاج لدراسة بحثية، وتفكير وتدبر عميق لاستنباط قوانين كل كتاب ثم تطبقها في الواقع بأفعال عملية. مثلا كتاب الصحة والمرض مذكور في القرآن كآيات مفرقة في عدة سور قرآنية، بمجرد جمع الآيات القرآنية التي تتكلم عن الصحة والمرض ثم تدرس وتستنبط منها العوامل التي تؤدي للمرض والقوانين التي تؤدي للصحة، ثم يطبقها في الواقع، فسيكون جسدك البدني صحي وقوي ونشيط بهذا يعيش مدة أطول من الآخرين وتعمر لسنين كما تقول الآية: «وَمَا يُعَمَرُ مِن مُعَمَرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَا فِي كِتَابٍ». فاطر (11). وهذا هو الحق. وإذا أردتم أدلة أكثر اذهبوا لأجدادكم الأحياء واسألوهم لماذا عمرتم إلى الآن.

تأجيل الموت وقوانين الوجود

أولا يؤكد تعالى حتمية موت جميع النفوس البشرية بدليل قوله تعالى: «كُلُ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» العنكبوت (57). ثم يؤكد أن موت الإنسان لا يحصل إلا بإذن الله وأن الموت هو كتاب مؤجل لم يحدث بعد في واقعنا أي نحن الأحياء حاليًا يعتبر الموت لنا جميعًا مؤجلًا إلى المستقبل لأنه لم يحدث بعد، وهذا واضح في سياق الآية التالية في قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَا بِإِذْنِ اللَهِ كِتَابًا مُؤَجَلًا» آل عمران (145). والتأجيل يكون للأحياء في الحاضر إلى المستقبل.

الطريقة الوحيدة لتأجيل يوم موتك إلى المستقبل هي السعى إلى الحصول على المعرفة بكتاب الموت وكتاب الحياة التي هي مجموعة من العوامل التي إذا التقت مع بعضها، استحق إما أن يعجل له الموت في الحاضر أو يؤجل له الموت إلى المستقبل. هذه العوامل مذكورة في القرآن «آيات قرانية» في مواضع مختلفة تتكلم جميعها عن قوانين الموت وقوانين الحياة. بحصولك على المعرفة بقوانين الموت من القرآن وتجنبك لها في الواقع بالإضافة إلى حصولك على المعرفة بقوانين الحياة وتطبيقها في الواقع، تستطيع تأجيل موتك إلى المستقبل، لهذا يقول تعالى مؤكدًا أن هناك شريحة من الناس سيعمرون «أي يعيشون أكثر» وهناك شريحة سينقص عمرها «وَمَا يُعَمَرُ مِن مُعَمَرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَا فِي كِتَابٍ». فاطر (11).

الخطوات العملية لتأجيل الموت والتعمير في الحياة لمدة أطول هي جمع الآيات القرآنية التي تتكلم عن الموت والحياة ودراستها واستنباط قوانين الموت والحياة، ثم تجنب العوامل التي تؤدي إلى الموت مثل التدخين وشرب الخمر والكذب، ثم تطبيق العوامل التي تؤدي إلى تأجيل الموت وتطويل العمر مثل شرب المياه بمعدلات تكفي حاجة الجسد للحياة يوميًّا، فهنا ستكون قادرًا على التعمير لمدة أطول وهذا هو الحق. ولكن عندما تقول للمسلمين أن الله أعطاكم المعرفة بتأجيل يوم موتك للمستقبل وذكرها في القرآن، فيقولون لك «أنك تنفي أن الله لم يكتب علينا قدرنا في الدنيا» فيا لهذا الغباء المركب متوازي الأضلاع الذي يعجب منه شيطان الجن نفسه.

يتبع—الجزء الثالث مهم جدًا: القانون الكوني الذي يحكم المخلوقات (قانون الصراع بين البقاء والهلاك)، قانون الصراع بين (البقاء والهلاك) على مستوى الأفراد، قانون الصراع بين (البقاء والهلاك) في المجتمعات الإنسانية المعاصرة. بقاء المجتمعات الإسلامية- هلاك المجتمعات الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد