تأسست منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قبل 58 عامًا من الآن، بمبادرة من السعودية، إيران، الكويت، فنزويلا، والعراق، ثم شهدت عقب ذلك انضمام العديد من الدول على اعتبار أن هذا الكيان جاء ليحقق مصالحها، ليرعى ثروتها المكتشفة والتي قد تشكل بالنسبة لها مصدر قوة في مواجهة تحديات العالم المعاصر، عالم الصراعات، في مواجهة النظام الدولي الجديد أو النظام الاستعماري الاستغلالي الجديد.

تأسست الأوبك لترعى مصالح المنتسبين إليها كونهم يملكون هذا السائل اللعين الذي جر عليهم ويلات الحروب وجعل من الشرق الأوسط بؤرة صراعات وتكالبات بين الدول العظمى المصنعة أو القوى الاستعمارية في صيغتها الجديدة. فإذا سلمنا بأن هذه المنظمة قد حققت إنجازات ما في مرحلة ما، فإن ذلك لا يتعدى كونها استطاعت التحكم في سعره أحيانًا بما يحفظ لها ميزانياتها الداخلية مقابل انعكاسات سلبية كثيرة كالشركات المتعددة الجنسيات التي انتشرت كالسرطانات في الدول المنتجة للنفط والتي تعد، أي هذه الشركات استعمارًا بذاته.

ولقد طمحت المنظمة منذ نشأتها لأن تحجز لها مكانًا سياديًا دوليًا إزاء ما يحدث من صراعات سياسية واقتصادية على اعتبار تحكمها في أهم مادة في العصر الحديث، لكن أقصى إنجازاتها هو تحقيق مداخيل مالية تنشط ميزانياتها الداخلية لا أكثر، فلقد سلمت دول الخليج بالأمر فاستسلمت لسيطرة الشركات متعددة الجنسيات مقابل الريع الذي مكنها من تشييد مدن ضخمة وأبراج وشركات رائدة وأسواق مالية كبيرة ومنشأت وبنى قاعدية لم تصل إليها الكثير من الدول الأوروبية كما هو الأمر في دبي وأبوظبي والدوحة والرياض.. ومن جانب آخر بقيت دول أخرى تبرح مكانها كفنزويلا وإيران لسبب أو لآخر.

لكن هذا الاستسلام هو الذي جعل منظمة الأوبك تنحو منحى آخر يمكن القول إنه ابتعد كثيرًا عن هدفها الأساسي الذي أنشئت لأجله، بل إنه بدأ يبتعد حتى عن الأهداف الثانوية التي سطرها الأعضاء على الأقل منذ بداية الألفية، وما انخفاض الأسعار في السنوات الأخيرة إلا مؤشر على التخبط الذي تعيشه المنظمة، فلأن يصل الأمر إلى غاية عدم القدرة على التحكم في السعر لهو الوضع الذي يجعلنا نتساءل عن دورها الآن وعما هناك ما هو أسوأ من هذه الوضعية.

ويمكننا القول إن الدول العظمى استطاعت القضاء حتى على الأهداف الثانوية للأوبك دون النظر إلى الهدف الأساسي السيادي الذي مات في المهد، رغم محاولة فيصل، وصدام، والقذافي، انعاشه، استطاعت أن تضييق الخناق على المنظمة باستعمال بيادق في الساحة السياسية، بيادق حققت من الريع ما تريد وتفرغت لمصادر اخرى متنوعة للدخل بالإضافة إلى زرع خلافات ونزاعات بين دول المنظمة ذاتها وتنويع هذه النزاعات سياسية اقتصادية دينية.. فلم يعد دور للمنظمة سوى الاجتماع كل مرة من أجل الخروج بلا شيء، من أجل الاجتماع وفقط، ورغم التطمينات التي تسعى بعض الدول تقديمها لشعوبها أو للاعلام إلا أنها لا تعدو أن تكون بنادق أعراس لا تسمن ولا تغني من جوع.

وخروج قطر مؤخرًا من المنظمة لهو بمثابة رصاصة الرحمة، أو الاعتراف الواضح بأن لا دور للمنظمة الآن رغم أن البعض ينسب ذلك إلى خلافها مع السعودية. والأمر في حقيقته واضح من خلال الصراعات الاقليمية في الشرق الأوسط، بل إن وجود الأوبك من عدمها صار سواء، ويذكرنا الأمر بمنظمة عدم الانحياز في سابق العهد.

أوبك الآن بعد كل هذا الجفاء بين أعضائها، بينها وبين الواقع الذي تغير كثيرًا قد أشرفت على النهاية فمن المتوقع أن تتلاشى على المدى القصير لتلتحق بالكيانات السابقة التي لم نعد نسمع لها ركزًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد