حين تُجبر على الاختيار يكون لزامًا أن تقف وتحدد ما تريد، هذه ليلى تُوضع دائمًا في مواقف اختيار، وتُحسم الأمور لصالحها، ليلى هي أنا، هي كل فتيات مجتمعنا الشرقي.

ليلى

تقابل ليلى في حياتها ثلاثة رجال: ابن خالتها عصام، وصديق شقيقها حسين، وأخيرًا أستاذها في الجامعة رمزي.

تحب ليلى «عصام» وترسم له صورة مثالية للغاية، ثم تُصدم فيه بشدة، صدمة تمسها وتهز ذاتها، الأولى عندما تكتشف جبنه وضعف موقفه أمام أمه، والثانية عندما اكتشفت علاقته بالخادمة فكانت الصدمة شديدة وأقوى من قدرتها على الاحتمال لدرجة أنها تحولت لعقدة.

ثم قابلت حسين، حسين الذي كان عليه أن يواجه حاجزًا بنته ليلى سورًا أمام قلبه، يحاول حسين ويظل يحاول لا يصيبه اليأس، يبث في قلب ليلى هتافًا خفيًا أو لنقل نشيدًا ثوريًا حلو النغمات، فكان بمثابة الباب المفتوح على الأمل في قلبها.

«عارفة إنتي محتاجة لإيه، محتاجة لحد يهزك لغاية ما تفوقي، لغاية ما تدركي إن الدنيا ما انتهتش، وإن اللي حصل ده كان لازم يحصل لأنك ماعرفتيش تختاري».

وضع حسين يده على العلة، وظل يحاول أن يعطي العلاج، أيقن أن ليلى قد جمدت الحياة بداخلها، فصار لزامًا أن تجد من يهزها؛ حتى يسري تيار الحياة مجددًا فيها، وقبل أن يسافر وضعها على أول الطريق «الطريق المفتوح».

«انتي في قرارة نفسك بتؤمني بالتحرر، بالحب، بالحياة، اعملي اللي بتؤمني بيه قبل فوات الأوان».

ليلى

وهنا ظهر الدكتور رمزي ثالث رجل في حياة ليلى، رمز أصيل للرجل المتعنت الرجعي، المتخفي تحت ستار الثقافة، يكسر ليلى ويجبرها على الخضوع له، ويساعده على ذلك ضعف حيلتها وقلة ثقتها بنفسها.

وفي يوم الخطبة تكتشف ليلى كل ذلك الصلف والزيف، تتخلص منه في النهاية بعد أن توجعها التجربة لثاني مرة، وهنا تختلف الرواية عن الفيلم، وإن كان الفيلم قد صحح اتجاه الرواية في نظري، حيث تنتصر ليلى وتلقي إليه بخاتمه، وتفتح الباب الذي كان يود إغلاقه عليها، كل هذا وحسين بعيدًا قريبًا، غائبًا حاضرًا.

ليلى

كان حسين هو الفاصل بين محطتي تجارب عايشتها ليلى بكامل ألم التجربة، والحق أن «لطيفة الزيات» رسمت شخصيته ببراعة على صفحات الرواية، ليتحول بتحول الرواية إلى فيلم لأيقونة الحب في مخيلة معظم الفتيات حتى هذه اللحظة، ولا ننسى جميعا «كفتيات» رقة «صالح سليم» ولا صوته وهو يتلو الخطابات بذلك الصوت المليء بالحياة.

ماذا فعل حسين بليلى وبنا؟!

ليلى

باعتباره هتافًا خافتًا يظل صوته يعلو شيئًا فشيئًا، يظل يتردد في عقلك ويحرمك النوم ويقتحم عليك لحظاتك الكئيبة الخاضعة، تحاول أن تتخلص منه لتعود لحياتك النمطية التي لا تحتوي أي تغيير، كانت كلمات حسين ذلك الهتاف الذي ظل يطرق قلب ليلى على مهل، ويحرمها النوم، يجلد خنوعها ويفسد عليها حياتها القانعة الخالية من الحب والتحرر، ظل يتردد في قلبها يحرضها على الثورة على كل «تابوهات» حياتها.

«أنت لا تريدين أن تنطلقي وأن تتركي نفسك على سجيتها، لأنك تخشين أن تتعلقي بي، أن يفنى كيانك في كياني، أن تستمدي ثقتك في نفسك وفي الحياة مني، ثم تكتشفين كيانك مدلوقا -كالقهوة- في غرفتي«.

«وأنا أحبك وأريد منك أن تحبينني، ولكني لا أريد منك أن يفنى كيانك في كياني ولا في كيان أي إنسان. ولا أريد لكِ أن تستمدي ثقتك في نفسك وفى الحياة مني أو من أي إنسان. أريد لكِ كيانك الخاص المستقل، والثقة التي تنبعث من النفس لا من الآخرين».

وقرر أن يهتف ما وسعه الهتاف، قرر أن يهز تمثال الشمع لعله يذوب، كان حسين رمزًا لكل ما هو جميل، لكل المعاني الحلوة، ولكن ليلى صارعت بكل قوتها، صارعت حسين ويده الممتدة لتفتح الباب، ولكن ورغم أنها في ظاهرها اختارت السجن الإرادي، كانت في داخلها تصدق حسينًا، وتؤمن بالانطلاق.

«لقد انحبست في الدائرة التي ينحبس فيها أغلب أفراد طبقتنا، دائرة الأنا، دائرة التوجس والركود، دائرة الأصول، نفس الأصول التي جعلت عصام يخونك، وجعلت محمود يشعر بالعزلة في معركة القناة، وجعلت طبقتنا -كطبقة- تقف طويلًا موقف المتفرج من الحركة الوطنية، نفس الأصول التي تكرهينها وأكرهها، ويكرهها كل من يتطلع إلى مستقبل أفضل لشعبنا ووطننا.

وفى دائرة الأنا، عشت تعيسة، لأنك في أعماقك تؤمنين بالتحرر، بالانطلاق، بالفناء في المجموع، بالحب، بالحياة الخصبة المتجددة.

عشت تعيسة لأن تيار الحياة فيك لم يمت بل بقي حيًا يصارع من أجل الانطلاق
فلا تنحبسي في الدائرة الضيقة، إنها ستضيق عليك حتى تخنقك أو تحولك إلى مخلوقة بليدة معدومة الحس والتفكير.

انطلقي يا حبيبتي، صلي كيانك بالآخرين، بالملايين من الآخرين، بالأرض الطيبة أرضنا، بالشعب الطيب شعبنا.

أكاد أراك تبتسمين، فأنت لا تصدقينني، أليس كذلك؟ أنت لا تثقين بي، أنت تقيمين بيني وبينك الحواجز، وإذ ذاك – عندما يتحقق لكِ هذا- لن يستطيع أحد أن يحطمك لا أنا ولا أي مخلوق. إذ ذاك فقط، تستطيعين أن تلطمي من يلطمك وتستأنفي المسير».

رفيقة للحياة كان يريدها كذلك، «وتقدمت إلى الأمام وحسين لا يرخي عينيه عنها، لا ليست نفس الإشراقة القديمة إنها إشراقة جديدة، الأولى كانت فورة تبرق لتنطفئ، كالشمس في يوم مليء بالغيوم، أما هذه فنور هادئ دافئ متصل، نور ينبع من الداخل».

لا يجد حسين أمامه سوى الصبر، لم تكن ليلى من تلك الفتيات المدللات اللاتي يُفنِين الحبيب في عذابات الهجر والوصل، كانت ليلى تعاني، أدرك حسين مأساتها، ذلك كإدراكه بأن عينيها الحزينتين هما نعمته الغالية.

كان حسين هو المحرر لليلى، لا ذلك الذي يملي عليها ما يجب فعله، ولكنه بث في عقلها القدرة على اختيار الطريق الصحيح.

«الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفق، الْمَحَبَّةُ لاَ تَحسد، المحبة لاَ تتفاخر، وَلاَ تَنتفِخ، وَلاَ تُقَبِّح، وَلاَ تَطلُب مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَد، وَلاَ تَظُن السُّوء، وَلاَ تفرَح بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالحَق، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْء. اَلْمَحبَّة لاَ تَسْقط أَبَدًا».

الأمان، هو ما قدمه حسين لليلى على طبق ذهبي جميل، لم يجبرها أن تستجيب له، لم يكن يريد شيئًا بل كان يعطي فقط بكل تلك المحبة التي أطلت من عينيه، لم يجعلها تعاني عن قصد، حقق تلك المسلمة أن «الحب طيب»، ارتشف روحها على مهل ولكنه لم يحبسها بداخله بل أطلقها كعصفور علمه الطريق لكن لم يحدد اتجاهاته، تفهَّم تلك الفتاة التي مستها التجربة بسوء وأوقعها سوء اختيارها من خوف مرضي من كل شرير قد يمر بها.

قدم لها حبًا طيبًا جعلها تشعر بأنها تسير على أرض صلبة، لا تهتز من تحتها، تلك الثقة التي انبعثت منها في النهاية، وهنا حقق حسين ذلك الانتصار الهادئ، لا على ليلى بل على تلك العادات التي تكسر أي بنت في مجتمع كمجتمعنا، «شيئًا هادئًا حلوًا نما نموًا مطردًا وفصلها عن الخيال وربطها بالأرض، وجعلها تشعر لأول مرة فى حياتها أنها تسير على أرض صلبة وجميلة فى ذات الوقت».

وقدم لنا مفهومًا صحيحًا عن الحب، أن تجد روحًا تشربتك وتشربتها حتى وإن كان بينكما مسافات هائلة، تجد روحك وقد انقسمت على نفسها وظل نصفها بعيدًا عنك جدًا قريبًا منك جدًا جدًا، نصفك بعيد عنك ولكنك تلتقي به طوال الوقت، فيصير لك القدرة على امتصاص تلك الروح رشفة رشفة، فهي منك وأنت منها.

(مُزجت روحك في روحي كما.. تمزج الخمرة بالماء الزلال.. فإذا مسَّك شيء مسَّني.. فإذًا أنت أنا في كلِّ حال) الحلاج .

وكما طلبت ليلى إلى صديقتها أن تشكر حسينًا بلطف على كل ما قدمه لها، أشكره أنا أيضًا إذ رفع سقف الكفاية لي ولفتيات كثر مثلي.

هذا ما فعله حسين بليلى وبنا

ليلى

«فانطلقي يا حبيبتي، افتحي الباب عريضا على مصراعيه، واتركيه مفتوحا…
وفى الطريق المفتوح ستجدينني يا حبيبتي، أنتظرك، لأني أثق بك، وأثق في قدرتك على الانطلاق، ولأني لا أملك سوى الانتظار، انتظارك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد