حبيبتي: في ظل هذا الظلام الدامس الجاثم فوق أنفاس البشرية جمعاء، أجدك نقطة النور التي تفيض بداخلي شلالات من الضياء التي تسري في أوصالي فتحيل العالم كله فردوسًا يعيش فيه الجميع في عشق وسلام أبدي، كيف لا والحب هو تلك الشعلة التي أشعلها الرب في حطب القلوب فانشقت عن شموس أشرقت على قلوبٍ خلقها بيديه، وأودعها سر أسراره المقدسة، ألا وهو الحب.

حبيبتي، لماذا أنت النور؟

لأنه في الوقت الذي بدا العالم كئيبًا جافًا خاليًا من سحب الحب دون أمل، ولو في قطرة ندى تسقط على أرضه لعلها تخفف قليلاً من تشققات أرضه العطشى للحب، هطلتِ أنت كطوفان رحيم يداعب أطراف قلبي ليعيد إليه دماء إنسانيته التي كانت قد امتصتها أنياب هذا العالم المتصارع، وتركته قلبًا موحشًا كترس في آلة العالم يدور بلا هوادة في سباق مرير يتسابق فيه كل البشر بلا رحمة، حتى ولو داست أقدامهم رقاب بعضهم في سبيل استمرار السباق الذي – ويالسخرية القدر – هو بلا خط للنهاية.

حبيبتي، إننا نعيش في زمن الصراعات، وهل يخلو زمان من صراع؟ ولكن الصراعات هذه المرة تنقل على الهواء مباشرة، ومهما هرب الإنسان منها فإنها لا محالة تتعقبه ثم تهجم عليه ولو في غرفة نومه، ثم تفترس بقايا إنسانيته لتتركه لاهثًا خائفًا مرتعشًا لا يعرف أين الملجأ الذي يمكنه أن يهرب إليه، فكل الملاجئ هي بيوت الصراعات، ولا مهرب منها إلا إليها.

على المستوى الفردي أجد هذا العالم يا حبيبتي مكانًا يفتقد إلى الأمان، فالفرد فيه وحيد ولو كان حوله الألوف، يشعر أنه صراع لا ينتهي، ونجاحه في هذا الصراع يكمن فقط في الحصول على قدر ضئيل من حقوقه، كلقمة تسد رمقه، ومأوى يلمّ عظامه، فإن حقق ذلك بعد الضنى والتعب، فلابد أن يعتمد على مهارته وحده ليعبد كل تلك الأصنام الذهبية التي صنعوها له بكل مهارة، وبالغوا في تلميعها حتى استحوذت على كل بصره وأعمت بصيرته، لذا فلا بد أن يتصارع بمزيد من الوحشية؛ ليملك زيًا ذا علامة تجارية يكفي ذكرها كي تضيف إلى قيمته، وليملك هاتفًا ونظارةً وسيارةً وشقةً وأثاثًا…إلخ، وكلها تزيد من قيمته.

وفي سبيل ذلك إما أن يدهس رقابًا، أو عليه أن يُسَلِّم رقبته للدهس، وفي كل مرة يقنع نفسه بأن خط نهاية السباق قد اقترب وأنه بعدها سيقتنص فترة راحة تمكنه من الاستمتاع بما حقق، ولكنه لا يعلم أنه سباق بلا خطوط للنهاية.

وفي أثناء السباق يُفاجأ بالكثير من القطارات العشوائية المتوحشة التي تسعى جاهدة كي تهجم عليه لتمزقه بعجلاتها بلا رحمة، فها هو يتفادى قطار كروت الائتمان ليُفاجأ بقطار الدروس الخصوصية، فإذا تفاداه فهو لا محالة ساقط على شريط قطار التكاليف الصحية، فإما أن يدفع ثمن علاجه أو يترك لقطار المرض أن يدهسه، ثم قطار مستقبل الأبناء، وقطار غش الأدوية، وقطار غش الأغذية والمواد الحافظة، ولا تنتهي القطارات، ولا تنتهي محاولاته لتفاديها، فإن امتلك الحظ وتفاداها فهو لا محالة يسقط تحت قطار الخوف، فيفقد الأمان في كل شيء حيث لا معين له إلا المال. وبالطبع يكون من السفه وقتها أن يترك البحث عن هذا السلاح الناجع الوحيد في هذه المعركة ليبحث عن سلاح – يظنه ضعيفًا ونتائجه غير مضمونة – ألا وهو سلاح الحب.

وعلى المستوى الإنساني فقد الناس الأمل في الحب حيث تزايدت الصراعات الإنسانية، ونسي الجميع أنهم خُلِقُوا من نفس واحدة، وظن كل منهم أنه يملك وحده الحقيقة المطلقة، وصار دين العالم هو (المنفعة)، فكُلٌّ يبحث عن منفعته ولو أتت على حساب الآخرين، وكُلٌّ يسعى إلى تبرير موقفه الذي يضحي فيه بالملايين من إخوته من البشر ليحقق منفعته القاصرة، فضمائرهم لا تتركهم لحالهم، وتسمم متعتهم، وتنغص لذتهم لذا وجب تسكينها، ولا مسكنَ للضمير أفضل من تحريف الأديان وإخراجها عن مهمتها الأولى في نشر الحب بين الناس على اختلافهم لتصبح مهمة الأديان على أيديهم هي سحق المخالفين واستغلالهم باسم الدفاع عن الدين أو حتى بالدفاع عن الإنسان ضد الدين، وبهذا سقط الجميع في صراع ظاهره القداسة، وباطنه الرغبة في السيطرة.

فظهر أهل الأديان، الذين يرى كل فريق منهم أنه الأحق بقيادة العالم بتصريح إلهي، وبالتالي التمتع بمباهج العالم وثرواته وحده؛ لأنها ثروات الله التي وهبها لأتباعه المخلصين فقط. وظهر فريق ضد الأديان الذين اعتبروا أن تخليص العالم من أهل الدين واجبهم الإنساني، ومن ثمّ يكون من حقهم احتكار خيرات العالم والسيطرة عليه، وبهذا أصبح الكل مدافعًا عن الحق في الظاهر ساعيًا خلف الملذات والاستمتاعات في الباطن. وضاع الحب بين هؤلاء وهؤلاء.

وهنا بدأ أهل الحب أنفسهم يتشككون في قيمة الحب نفسه، ويتساءلون: هل من الصواب في مثل هذا العالم المتصارع أن نتعلّم الحب ونسقيه لأولادنا؟ ألسنا بذلك نقدّم أنفسنا لقمة سائغة لهؤلاء الذين باعوا الحب واشتروا به ثمنًا قليلاً؟ ثم استقروا على حقيقة – أو هكذا تبدو لهم – مفادها أن الدعوة إلى الحب في هذا العالم المتوحش، ما هي إلا سذاجة ومراهقة، وأنها انتحار، لأن حذاء العالم يسحق كل حشرات الحب بلا رحمة.

حبيبتي، هل حبك سذاجة وانتحار؟ بل الساذج الذي يحصل على كل العالم ويخسر الحب، وربما كان حبك انتحارًا، ولكنه انتحار العاشق في بحر عيني حبيبته، إنما الحب هو الحل الأول والأخير لمأساة هذا العالم، ولو رفضوه وسخروا منه، فبعد لهاثهم المستمر وخسارتهم الأكيدة لن يجدوا سوى الحب منقذًا لهم، ومنهيًا لعصور الشقاق والصراع.

ولا تظنوا أني ذلك الغرّ الذي يظن أن يومًا سيأتي يعمّ فيه الحب الجميع، وينتهي الشر من القلوب، ولكن الحب باق والشر باق، فلا الشر سيقتصر ولا الحب سيندثر، وما اختبار الدنيا إلا اختبار الحب، وليس النجاح في اختبار الحب كامنًا في اختفاء الشر، ولكن النجاح في اختبار الحب يكمن في أن يتمسك أهل الحب به مهما قاسوا وعانوا في سبيله، إن النجاح في اختبار الحب يكمن في ألا ينحرف أهل الحب عن طريق الحب مهما بدا لهم موحشا وخاليًا.

وعلى أهل الحب أن يعلموا أن الإنسان ما خُلِقَ إلا وفي داخله استعداد لتلقي شعاع الحب وضيائه مهما كان من عتاة الشر، وأننا إذا أردنا أن نأخذ بيد الناس إلى طريق الحب فإن ذلك يكمن في رفع مستوى روحانياتهم، وغرس قيم الجمال فيهم، فالفنون المختلفة والآداب والطبيعة الجميلة ومن قبلهم المعاملة الإنسانية وبذل الحب الصادق للجميع كفيل بغرس المحبة في قلوب البشر، وكذلك فإن نزع القشرة المادية عن الإنسانية ودفع الغيوم المادية بعيدًا عن شمس الروحانية كفيل باستعادة الإنسانية في القلوب والدفع بدماء الحب في عروقهم من جديد.

حبيبتي، إنها دعوة إلى الحب كي يعود الجميع إلى سابق إنسانيتهم، وهي تتطلب فقط التمسك بالحب كسلاح ماض في مواجهة شرور هذا العالم، فالطيبون في هذا العالم هم الأغلبية، كما أن الأشرار ينتظرون يد البستاني البارع كي يخلصها من حشائشها الضارة مخرجًا ما في قلوبهم من زهور جميلة، دون أن يعني ذلك أن أهل الحب مجموعة من السذّج البلهاء الذين يجعلون من الحب قناعًا يجمّلون به جبنهم وضعفهم وتخاذلهم.

ولكن الدعوة إلى الحب هي دعوة للرفق، فكن حفيًا بأهل الحب، رفيقًا بأهل الذنب، صارمًا مع أهل الكبر، فأهل الخطأ فيهم الخير حتى يكونوا من أهل الكبر، فإن صاروا من أهل الكبر فالتكبر عليهم يكون وجهًا جديدًا من وجوه الحب التي تواجههم به.

حبيبتي، دعوة الحب تحتاج إلى قلوب صافية كقلبك، ونوايا طيبة كنيتك، فانظري نحوي بعينيك الملهمتين كي أستقي منهما الحب وأتعلم منهما رقة القلب لعلّ الرفق يصلح ما أفسد الشر في هذا العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد