نحن أهل الوطن العربي في القرن الأخير نعيش وكأننا داخل صندوق تلفاز قديم، قنواته مشوشة جدًا، قلما تتضح الرؤية التي لا تلبث بضع لحظات حتى يضربها تردد آخر فتعود لحالة التشويش التي تختلط فيها الصور والألوان والأصوات، ولا يصلك سوى صوت مزعج ومنظر متعب للعين مشوش للتركيز، وأول رد منك على ذلك ضرب صندوق التلفاز بيدك لعل حاله ينصلح ويتزن أمره، لكن حتى الآن لم يحدث، وأظنننا نحتاج لتغيير الأسلاك كلها؛ لأننا حين اكتفينا قيل سنوات بتغير الصندوق لم يتغير سوى المظهر الخارجي، أما التشويش الداخلي فقد ازداد سوءًا، لكن من بين اللحظات الخاطفة التي اتضحت فيها الرؤية كان المشهد الرائع الذي انتزع فيه الأسرى الستة حريتهم، فأبهرونا وانتشينا في تلك اللحظة، لكننا فيما بعد عرفنا أن هذا المشهد كان البداية للحكاية التي بدأت بعده، ولم تنته، بل إنها مجرد شُباك مفتوح بأحد فصولها، ولا عجب فنحن بلد الحكاية الطويلة ذات الشبابيك المفتوحة التي تجعل النهايات غير واردة؛ لأن كل شباك فيها يرغمك بانفتاحه على رؤية الشبابيك الأخرى دواليك، فلا تنته الحكاية ولا تغلق فصول الرواية الكثيرة، ونحن اعتدنا روايتها بكل تعقيداتها وأملها الذي لا تتخلى عنه رغم آلامها.

وفي كتاب الوطن العربي في فصل فلسطين في شُباك الأسرى تجلى مشهد رائع، صبيحة السادس من سبتمبر (أيلول) 2021 انتزع ستة ابطال حريتهم من قلعة الاحتلال الحصينة على حد زعمه عبر نفق حفروه بأيديهم ليستخرجوا من عنق الشِباك شُباك للعالم، فرأينا جميعا كيف على حياة الانسان أن تكون، وفي مساء العاشر من سبتمبر التفت قبضة السجان حول أيدي اثنين منهم فاختنقت أنفاسنا جميعًا، وانكفأت الروح عند اعتقال اثنين آخرين صبيحة اليوم التالي ظننا منا أن الشباك العظيم بهذا الفصل من الرواية الذي فتحوه قد أغلق، لكن سرعان ما تبدى لكل ذي بصيرة أن ما كان مجرد مقدمة، والآن سنبدأ.

إن ما حدث يشبه ما حدث بسورة الكهف لسيدنا موسى مع العبد الصالح حين قال له «إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا»، فكل شريف آلمه اعتقال الأسرى مجددًا؛ لأن الأمر في ظاهره سوء، وشر محتم، وعذاب لا بد عنه، ولم نكن لحظتها بمكان المتفكر المتدبر للتفاصيل الغائبة عنا، لكن سرعان ما تجلت بأحاديث الأسرى الآية العظمية «سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا»، ففي حديث الأسير محمود العارضة الذي قال فيه «أنا المسؤول الأول عن التخطيط والتنفيذ لهذه العملية» تجلت الشحاعة والبطولة، وحين نعلم أنها المحاولة الثانية للهروب نرى كيف يكون العزم والهمة، ولم يبق للاستغراب مكان حين يقول «سأحاول الهروب مجددًا».

كذلك الأسير محمد العارضة الذي قال «تذوقت الصبر لأول مرة منذ 22 عامًا من مرج ابن عامر»، لقد خرج ليتذوق حلاوة الصبر بعد أن تلظى بشوكة 22 عامًا، وأراد إيصال العسل لأمة التي خرجت طيلة أيام هروبه إلى الجبال تنادي اسمه عله يعرف طريق البيت فيأتيها، ورغم أن محمد لم يلب نداء أمه قهرًا، لكنه لبى نداء الحرية، وأرشد العالم لطريقها وذكرنا بطريق فلسطين، والصبر زهر قاس نعرفه ويعرفنا ويشبهنا متمسك بالأرض مثل الفلسطيني، وبات شاهدًا بين كل كومة حجارة في أرض خالية على أنه هنا قبل 73 عامًا عاش أناس، وكانت الديار بهم عامرة حتى قتلوا وهجروا ودمرت مساكنهم، وبقي الصبار شاهدًا على حياة ومجازر ودليل على قرية مهجرة، ولا أدري كيف كانت حلاوة الصبر بفم محمد، لكنها مؤكدًا بشعورة كانت كثمرة من الجنة بعد أن اجترح المعجزات ليصلها ويتذوق حلاوتها، لكني أعلم أنه يومًا ما سيصل العسل لأصحابه، ويومها ستبرأ كل الأسقام وتلتئم جروح شوك الصبر، ولا يبقى سوى حلو المذاق.

والأسير محمد الزبيدي ألذي في كل مرة يلوح لنا بجروحه باشارة تدلنا على الطريق، فهو ابن المخيم، ابن الشهيدة، أخو الشهيد، ابن البيت المهدم ثلاث مرات المطارد لسنين المعذب بسجون كلاب الاحتلال من سلطة أوسلو، قد وكتب لنا قواعد المطاردة بالقلم والدم، فيا لتعاسة هذا الكيان في قادم أيامهز فكم أنتج لنا نسخًا من محمد زبيدي ستحفر قبرًا لمستقبله!

الآن وبعد اعتقال آخر الأسرى بالجيش العرمرم، والسلاح، وطائرات الاستطلاع، وقصاصي الأثر، وكلاب السلطة الفلسطينية، وبعد أن وقف كيان باكمله على رجل واحدة وبظلمه أعادهم للزنازين، لكن بغبائه أعاد قضية الأسرى للواجهة، وعلى رأس سلم الأولويات، وقد فتحوا بابًا للتحرك ضد السلطة بالضفة، فالصفعة كبيرة ومؤلمة جدًا هذه المرة، كذلك الأمل الذي في قوة بالأرواح أن لا مستحيل مع الإرادة، وأن الحرية فطرة لا تقتلها سنين الظلام وجدران الظلم، وأظهروا للدنيا وهن بيت العنكبوت الذي ظنوه محصنًا لحسن حياكة الخيوط.

أخيرًا لقد كان الفتى محمد بن أبي عامر يحكي لصاحبه الحداد إبراهيم في سجن الصقالبة كيف أن أمر الأندلس لن ينصلح حتى يتولى الأمر أهله، وكيف أنه في يوم ما سيخرج من سجنه وسيقضي على ظلم الصقالة، فضحك منه صاحبه وقال: «نخطط لإدارة شؤون الأندلس، ونحن في مكاننا هذا»، ومضت الأيام والسنين حتى جاء اليوم الموعود على يد صاحب الشرطة الوزير محمد بن أبي عامر، ووكيله إبراهيم أحدهما بحنكته السياسية والإدارية، والآخر بشحذ العامة من الناس، فكانت نكبة الصقالبة، ومضى الفتى بحنكته وشجاعته حتى صار ملك أعظم ممالك الأرض (الأندلس)، وأصبح الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد