«حدث في صيف 2013 وبالتحديد في شهر أغسطس أن تم القبض العشوائي على مجموعة من الشباب وإيداعهم عربة ترحيلات لمدة ستة عقود من الزمن. عفوًا أقصد ست ساعات في ظل ظروف عصيبة وتحت درجة حرارة عالية، وبالتدريج أصبحت الحرارة لا تطاق بالداخل حتى كان المعتقلون يقفون على قدم واحدة من التكدس وبدأ الأكسجين يتناقص والشباب يصرخ من أجل المساعدة ثم شرعوا في الطرق على جدران العربة لكن دون جدوى، وقد فقد كثيرون ممن داخل العربة الوعي تمامًا ولم يتبق غير أعداد قليلة لا يزال صوتها يعلو بنداء وحيد مختصر «افتح.. بنموت».

بدأت رحلة عربة الترحيلات مع دولة يوليو 1952 عندما قام الجيش بالانقلاب العسكري والإطاحة بالملك فاروق ونفيه خارج البلاد. وفي يونيو 1953 أعلنت الجمهورية وتم اختيار محمد نجيب رئيسًا لها، ولكن نتيجة لافتفار الرؤية عجز شباب الحركة عن تأسيس دولة ديمقراطية سليمة تحكمها المؤسسات المدنية ويتم فيها التداول السلمي للسلطة، فتداعت عليها الانقلابات والاغتيالات والمؤامرات على مدار تاريخها الذى يزيد عن ستة عقود من الزمن.

تم الانقلاب على محمد نجيب في 14 نوفمبر 1954 وبعد عامين من الاضطرابات اختير جمال عبد الناصر رئيسًا على إثر استفتاء شعبي أجري حينها.

في سبتمبر 1967 توفي القائد العام للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر في ظروف غامضه بعد هزيمة 5 يونيو المنكرة من نفس السنة تبعه الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 بعد أن قضى 14 عامًا رئيسًا رسميًّا للبلاد عانت فيه كل أشكال الويلات جراء إعلاء مبدأ حكم الفرد، وتوالت الهزائم العسكرية والانهيارات الاقتصادية ومصادرة الحريات وإلغاء الأحزاب وغلق الصحف وتجنيد الإعلام لسماع صوت الزعيم العسكري، الذي لم تر مصر في عهده نصرًا عسكريًّا واحدًا.

تولى المنصب بعده نائبه وأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة محمد أنور السادات على أثر استفتاء شعبي آخر وبدأت الأحوال تتحسن نسبيًا في بدايات عهده فخاضت مصر في أكتوبر 1973 حرب التحرير وعادت أرض سيناء التي تم الاستيلاء عليها في يونيو 1967  وفي يونيو 1975 أعيد فتح قناة السويس من جديد للملاحة الدولية بعد أن أغلقت 8 سنوات كاملة منذ النكسة واتخذ قرار إعادة الحياة الحزبية عام 1976، لكن لم يلبث هذا التحول طويلا فقد قامت حكومته سنة 1981 بحملة اعتقالات واسعة ضد أعضاء المنظمات الدينية والكتاب والصحفيين والأدباء على خلفية رفض الصلح مع إسرائيل وفي أكتوبر 1981 تم اغتيال الرئيس السادات في العرض العسكري المقام بمناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر المجيد.

تولى المنصب خلفًا له نائبه الفريق محمد حسني مبارك سنة 1982 بعد استفتاء شعبي أيضًا، ولا أعرف كيف انتهى الأمر به إلى توليه مدة 30 عامًا لم يكن له فيها رؤية واضحة كسابقيه في إدارة شئون الدولة، فكانت حكومته أقرب إلى حكومة تسيير أعمال أهمل فيها التعليم والصحة وتراجعت الفنون وانتشرت الخرافات الدينية والفساد وانهارت مؤسسات المجتمع والأعجب أن شعار مبارك المبطن كان «إما أنا أو الفوضى» وكان الشعار الأجدى لهذه المرحلة هو «أنا والفوضى» إذ لا أتخيل فوضى في مصر أكثر مما أحدثته سنوات عهد مبارك التي انتهت في يناير 2011 بانفجار عربة الترحيلات بثورة شعبية وتنحى قائد العربة على أثرها عن المشهد السياسي.

حدث فراغ سياسي بعد ثورة 25 يناير بسبب مصادرة الحياة الحزبية على مدار عقود من الزمن، فأسرعت جماعة الإخوان المسلمين تجني ثمار الثورة مما أثار غضب الفصيل المدني وسقطت الدولة من جديد في قبضة الحكم العسكري الذى عاد ليمارس التنكيل بالمعارضة بصورة أبشع أقرب إلى الانتقام وتم تجنيد الإعلام لتوجيه خطاب رديء مضلل وإخضاع كل مؤسسات الدولة بما فيها القضاء والأزهر والكنيسة والبرلمان الذي هو صوت الشعب لسلطة الحاكم الفرد.

يظن البعض أن هناك مؤامرة تحاك ضد مصر تتطلب توحيد الصفوف لمواجهتها والقضاء عليها، ويظن البعض الآخر أنه لا توجد أية مؤامرات ولكن يرجع تردي الأوضاع إلى سوء الإدارة وعجز المؤسسات الحاكمة عن القيام بدورها لعدم التخصص وافتقار المهنية، وآخرون يختزلون تردي الأوضاع في ضمير الشعب وأخلاقياته التي انحدرت عبر العقود الأخيرة من الزمن.

والحقيقة أن أنصار المؤامرة لا يضعون أيديهم على ملامحها، لكنهم يرددون الكلمة كما سمعوها ولقنت إليهم من خلال وسائل إعلام النظام الحاكم دون تفاصيل لكن دعونا نكون صرحاء، أليست المؤامرة هي التعدي على القانون والدستور وانتهاك الحريات ومصادرة الصحف واعتقال المعارضين، أليست المؤامرة هي تسييس القضاء وتواطؤ مؤسسات الدولة لتوطيد حكم الفرد، أليست المؤامرة هي حظر الأحزاب وتفريغ المناخ السياسي من الكوادر القادرة على المنافسة على منصب رئيس الجمهورية؟ أليست المؤامرة هي تجنيد المؤسسات الدينية لإخضاع الشعب وإرغامه على قبول الفقر والقهر وعدم الخروج على الحاكم؟ أليست المؤامرة هي ما يبثه الإعلام ليلًا ونهارًا من تضليل وتدليس لإثارة الخوف؟ أليست المؤامرة هي إهدار المال العام في مشاريع لا طائل منها سوى الدعاية السياسية للحاكم؟ أليست المؤامرة هى ما اقترفته دولة يوليو ضد مصر وشعبها؟

لقد اعتقل نجيب ووضع تحت الإقامة الجبرية 30 عامًا ورحل ناصر وهو يتجرع مرارات الهزيمة واغتيل السادات وهو في حماية الجيش وتم الانقلاب على مبارك وأجبر على ترك السلطة بصورة مهينة لا تتناسب مع تاريخه العسكرى وأودع أبناؤه السجن وعزل مرسي وتم التنكيل به وجماعته، ولم تفلح معهم جميعًا كل محاولات تشويه الوعي والتعدي على القانون والدستور واستغلال الدين وذهبوا جميعًا بلا رجعة، وليس لدي أدنى شك أن نقمة الاستبداد سوف تلحق بكل مستبد وسيرحل يومًا بواحدة من هذه الأساليب القبيحة وعليه غضب أجيال لديها من الوعي ما يكفي لإعادة تقييم عهده وصب لعناتها عليه.

وإنني لا أجد أحدًا يستحق الرثاء قدر هؤلاء الذين يظنون أن النجاة في المزيد من هذا الهراء والإذعان للحجز داخل عربة ترحيلات وأن مقدرات الأوطان رهن أشخاص إن ماتوا أو قتلوا انقلبت على أعقابها. إن من ينقلب على عقبيه هم المتآمرون عليها طمعًا في السلطة والنفوذ هؤلاء الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أما الوطن فسيظل باقيًا وسيظل شبابه الداعين للحرية والديمقراطية يتطلعون إلى رايته خفاقة عالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد