انتشر جنون التطبيع مع الكيان الصهيوني كالنّار في الهشيم ما بين الدول العربية في الشرق الأوسط، بل وصلت أعمدتها إلى أقصى المغرب العربي، إذ سرعان ما لحق المغرب بركب المُطبعين، وذلك بعد عُزلته الإقليمية والعربية، واشتداد أزمته الدبلوماسية مع الجزائر بسبب اختلاف الرؤى حول القضية الصحراوية.

فقبل زمن غير بعيد، لاحت في الأفق بوادر لانفراج الأزمة السياسية ما بين البلدين، فبانتهاء حقبة نظام سياسي هيمن على الجزائر لمدّة عشرين عامًا بحراك شعبي، ووصول السيد عبد المجيد تبون لسُدّة الحُكم وترحيبه بأيّ مُبادرة مغربية لتجاوز الخلاف القائم، وهذا ما أكّدته صحيفة إندبنت عربية بأنّ مسؤوليين جزائريين قد باشرو مناقشات مع أكادميين لدراسة ملف فتح الحدود مع المغرب، وقد أعطت هاته التحوّلات جُرعة أمل للأشقاء المغاربة الطامحين في فتح حدود يبلغ طولها 1559 كم بدون احتساب الأراضي الصحراوية المتنازع عنها.

لكن التطّورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة بتطبيع المملكة لعلاقاتها مع السلطة الإسرائلية، والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الأراضي الصحراوية، اخلط كل الحسابات والتأويلات، فهل تحطّمت آمال المغاربة في فتح الحدود البرية مع الجزائر بفتحهم المجال الجّوي لإسرائيل؟

أزمة الحدود الجزائرية المغربية

يعود ترسيم الحدود الجزائرية المغربية إلى سنة 1972 أين تمّ توقيع مُعاهدة ما بين الرئيس الجزائري هواري بومدين والملك الحسن الثاني، وذلك بعد شدّ وجذب استمر لعدّة حقب زمنية منذ قيام الدولة الحمادية سنة 1055م إلى ما بعد استقلال الجزائر سنة 1963، تاريخ اندلاع مُواجهات عسكرية ما بين البلدين، والتي عرفت آنذاك بحرب الرمال.

غير إنّه لاعتبارات أمنية وردَّ فعل على التفجيرات الإرهابية التي حدثت في مراكش سنة 1994، سارعت السلطات المغربية آنذاك إلى اتهّام الجزائر في الوقوف وراء هاته الاعتداءات، واتخذت قرارًا أحاديًا بدون أيّ تشاور بفرض تأشيرة الدخول على الجزائريين، فردّت الحكومة الجزائرية بغلق الحدود البريّة نهائيًا مع فرض التأشيرة على القادمين من المغرب، ومنذ ذلك الحين والحدود مغلقة ما بين البلدين لأكثر من ربع قرن.

توتّر العلاقات الجزائرية المغربية

وقد تميّزت هاته الفترة بالتأرجح في العلاقات فمن الجفاء إلى التوتّر أحيانًا، رغم تبادل برقيات التهاني والزيارات الرسمية ما بين الطرفين، مما انعكس بالسلب على التعاون السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، فازداد تهريب البضائع والهجرة السريّة ما بين البلدين، وتدفق المخذرات من الأراضي المغربية.

كما تبادل الطرفين الاتهّامات في نقاط أبرزها دعم جبهة البوليساريو واحتضانهم، وكذى دعم االمرتزقة في الثورة الليبية، إلى غير ذلك من التصريحات اللامسؤولة من هناك وهناك لسياسيين ودبلوماسيين.

وقد تعالت الأصوات من طرف أحزاب ومسؤولين في المغرب اللذين ناشدو في عدّة مُناسبات بوضع الخلافات جانبًا والتركيز على القضايا الإقليمية المشتركة، وتلبية رغبة الشعبين في فتح الحدود، غير أنّ السُلطات المتعاقبة على الحكم في الجزائر أبت أن تتخذ أيّ خطوة لكسر هذا الجليد، بل وضعت شروطًا كتسوية ملفات التهريب والهجرة والمخذرات، وتطبيق القرار الأممي الداعي إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وآخرها المطالبة ضمنيًا بتقديم اعتذار في خطاب للرئيس الجزائري ردًّا على دعوة الملك محمد السادس بفتح صفحة جديدة.

التطورات الميدانية في الكركرات والتطبيع المغربي

بتاريخ 13 نوفمبر 2020 انتهك الجيش المغربي ومُسلّحو جبهة البوليساريو وقف إطلاق النّار المتفّق عليه عام 1991، في منطقة الكركرات المنزوعة السلاح، وتناوش الطرفين في مواجهات عّدة، فتحرّكت الجزائر أفريقيًا وأمميًا، وصعّدت من لهجتها الدبلوماسية لوضع حد للانتهاكات المغربية في الأراضي الصحراوية.

وبحثًا عن دعم لقضيته وتحت غطاء السلام، استنجد المغرب بإسرائيل، مُعلنًا عن تطبيع رسمي بعد ما كان خفي، مُتّبعًا بذلك دُولاً عربية سبقته في الخيانة، فكان له ما يريد، ترحيب أمريكي واعتراف بسيادة المملكة المغربية على المستعمرة الإسبانية السابقة.

وفي ظل هاته الظروف الراهنة عند الأشقاء المغاربة، بفتحهم المجال الجّوي أمام الطيران الإسرائيلي، وعزم الولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية في المنطقة لحماية استثماراتها، ونظرًا للموقف الثابت للجزائر الداعم للدول المستعمرة، كرفضها للتطبيع نصرة للقضيّة الفلسطينية، وسعيها لتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، فإن فتح الحدود البريّة مع المغرب أصبح في خبر كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد