يتعلق الأمر بالقبول، قبول الأفراد المختلفة، الأفكار، والثقافات بمختلف مجالاتها، عندما يتحقق ذلك الانفتاح تنتشر المنفعة على الجميع.
الانفتاح ليس بالواجب أن يكون من الأقل قدرات للأكثر، وليس واجبًا أن يكون بين أجناس أو أديان مختلفة، الانفتاح هو فهم صورة لما لا تملكه.

مُشاع كون الانفتاح هو مجرد التطبع بشكل أو عادة فقط وذلك هو المفهوم الخاطئ، الانفتاح يُعد أسمى وأكبر من القيمة المطروحة له بيننا، استخلاص النقطة القادرة على تقديم (زيادة علمية، فنية، أو فكرية) هو مقدرة صعب الوصول لها دون الانفتاح على شيء مختلف عما تملكه، وتقبله فيستفيد الطرفين.

في الغرب يتواجد حالة تسمى (المركزية الغربية/ الأوروبية) هي رؤية عالمية متحيزة للحضارة الغربية، وذلك بدوره يؤثر على تحقيق الانفتاح المتبادل، في حقيقة الأمر تدرك أوروبا جيدًا أهمية اطلاعها على التميز الخارجي، لكن يصب إدراكها في محاولة المتخصصين في سرقة خيارات الدول النامية بعد بروزها، أو انتقائها، وبرغم ذلك كثير من الدول الغربية تهمش وجود تلك الخيارات بالأساس.

الطريقة التي اتبعها الغرب في تحقيق نفس المنفعة التي تأتي من قبل الانفتاح، لا يمكن تصنيفها بالانفتاح النقي، أو بالانفتاح من الأساس؛ لأن بواقع الحال أغلب شعوب أوروبا لا تملك رؤية عن تواجد ثقافة فعلية ومهمة مغايرة عما تملكها، وذلك يتنافى مع مفهوم الانفتاح بالثقافة الخارجية، حتى وإن استطاع الغرب في أغلب الأحيان تحقيق منافعهم الشخصية بدون الحاجة لفتح مجال الرؤية لدى عامة شعوبها تجاه قيمة خيارات دول العالم الثالث وما يشمله من مواهب حتى وإن انحصرت في الوقت الحالي.

كمثال «المدرسة النقدية الأمريكية» التي وصفت الأدب العالمي أنه غربي صرف، فأخضعته لمركزية أوروبية بعيدة كل البعد عن العالمية الحقة باعتبار عدم تواجد أدب عالمي خارج بلاد الغرب، وهو الذي همش دور آداب شعوب العالم الثالث، بصورة غير متوازنة ومجحفة، فرضت الهيمنة على آداب الشعوب الأخرى.

على الرغم من رؤية المدرسة الأمريكية واعترافها بنظرية المركزية الغربية، وإنكار تواجد أدب عالمي خارج أوروبا، ففي جامعة بون الألمانية تقرر كتاب «معارك نقدية» للدكتور العربي مجدي يوسف  على طلاب الدراسات العليا في مقرر «مناهج البحث»، التي استهدفت ترقية الوعي المنهجي لدى القارئ، وهو ما يؤكد على انعدام صحة انحصار الأدب العالمي في الغرب فقط.

لا يمكن إلقاء لوم انعدام التواصل والانغلاق بين العالمين الغربي والشرقي على عاتق المركزية الأوروبية، وكلامي لا يمثل شيئًا سوى مجرد توضيح أن المركزية الأوروبية تشارك بجزء طبيعي في إنكار جودة وخيارات العالم الثالث وهو ما خلق حالة جهل لدى أغلب شعوبها – لا مسؤوليها – بما يحمله الشرق من مواهب، ويعد ذلك نوعًا من أنواع الانغلاق.

الحقيقة الواضحة أن حالة الحظر على ثقافة الشرق، دور الشرق في أسبابها أكبر بنسبة ضخمة من الغرب، حتى بحالة المركزية الأوروبية التي بالرغم من رفض الكثير من الدول الغربية لمفهومها، وبعض كبار نقاد وعلماء الغرب مثل «أندري جوندر فرانك» الذي هاجم بعض العلماء الألمان وغيرهم من أصحاب تلك النظرة، إلى أن المتخصصين بالشرق نفسهم رفضوا تصحيح ذلك المفهوم أمام العالم، رغم إتاحة عديد من الفرص.

في هذا الخصوص تأتي أيضًا جهود الدكتور مجدي يوسف في نقد المركزية الأوروبيّة عبر عدة دراسات له، منذ منتصف سبعينات القرن العشرين، لكن المتخصصين في مصر لم يهتموا بكتاباته لأنهم اعتبروها انتقادًا لتبعيتهم للمركزية الأوربية.

إن تم تصنيف نسبة وراء سبب جهل شعوب الغرب بثقافتك، سيصبح الشرق صاحب الفضل الأكبر وراء تلك الأسباب، لم يغلق الشرق الباب أمام ثقافته فقط، بل يغلق الشرق أيضًا الأبواب على نفسه تجاه التعلم من الثقافات المغايرة، والاستفادة مما يحمله الغرب من قوة وعلم.

بين الاعتراف بجهل الشعوب الأوروبية بما يدور خارجها، وبانغلاق أيضًا الشعوب الشرقية ورفضها التطورات الخارجية، لكنك تعرف عندما تسير في الشوارع العربية خير المعرفة أن العديد من الثقافات الأوروبية متواجدة بيننا بالفعل، بالطبع السبب الأول لذلك ليس لتواجد ثقافة الانفتاح بيننا بكثرة، ببساطة السبب أن المتفوق هو من يفرض ظهوره على العالم، وبطبيعة الحال والبديهية تتفوق أوروبا علينا.

قوة الغرب ونجاحه هو من فرض نفسه لا نحن من بحثنا عنه، البحث وراء الصورة كاملة واضحة للحصول في النهاية على الغاية النافعة لم يعد متاح كثيرًا لدى الطرفين، ما يفعله الجانب الشرقي هو محاولة الركض ويصل أحيانًا كثيرة للتقليد وليس معرفة الصورة كاملة والفهم بوضوح لتحقيق نجاح وعلم مقارب أو مماثل.

الانفتاح الأدبي مثلًا هو نوع من أنواع الانفتاح المادي، وسط ندرة التواصل الثقافي السابق ذكره، حدث ذلك النوع من الانفتاح بشكل مفاجئ عام 1988، بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب.

دور النشر الأوروبية قبل نجيب محفوظ كان اهتمامها بالأدب العربي ضعيف ويكاد ينعدم، حيث القوانين الأدبية الأوروبية والذوق الغربي كانا هما الفيصل في الاختيار، وهذا له أسبابه المشروعه، لكن السبب الأبرز كان جهل الغرب بوجود تلك الجودة من الأساس في الأدب العربي.

«لم أقل هذا لكي أبرز بعض المواقف التي ظهرت في الصحافة الإيطالية، قلته لأنني أرى أن محفوظ مثل الكتاب العرب الأغلب، لا ينتمي إلى عالم غريب عنا، إن هذه الغرابة، والتي كانت فكرة جامدة في عالمنا الغربي دون إدراك السبب، قد التصقت بالتعبير الأدبي الذي هو في الحقيقة قريب إلينا: يكفي أن نعرفه حتى نستطيع أن نقدره حق قدره باعتباره ثروة أدبية مشتركة».

هكذا تحدثت الناقدة الإيطالية (إيزابيللا كاميرا دافليتو) في جزء من طرح لها عن محفوظ، بدأت بالهجوم على الناشرين الكبار في إيطاليا الذين تجاهلوا نشر أعمال محفوظ، وتبدل الحال واندفع الاهتمام والمبادرات الكثيرة بعد فوزه بنوبل، لكني رأيت بشكل واضح على عكس كاميرا السبب الذي خلق نظرة الغرابة نحو الفن والأدب الشرقي قبل أن يُجبر محفوظ الكثيرين على رؤية قدراته، وهو الانغلاق الشرقي والمركزية الأوروبية.

برهن نجيب محفوظ بعد أن زادت ترجمات رواياته أنه حصل على تلك الجائزة باستحقاق تام، ليس كما وجهت بعض الصحف الأوروبية اتهام نحو إعطاء محفوظ الجائزة لمواقفه السياسية أو لجذب الانتباه لنفسها، فمثلًا نُشر رأي للكاتب جيزالدو بوفالينو يقول:
«من المؤكد أنه اختيار يبعث على الدهشة، قضاة نوبل منذ عدة سنوات يمنحون امتيازات للعالم الثالث، أو على الأقل خارج التراث الغربي؛ حتى لا يتهمون بالمركزية الأوروبية»

فضحت ردود أفعال كتلك حالة الجهل العام للقارئ الأوروبي بالثقافات المختلفة، بالطبع تواجدت آراء أخرى داعمة لمحفوظ، وهم من عرفوه جيدًا، أو البعض الآخر من حاول معرفة الصورة واضحة.

الانفتاح لدى محفوظ الشخص على الرغم من كونه لم يسافر للدراسة في أية دولة غربية، لكنه بات خير مثال نستعرضه، تحدثت عنه أستاذة اللغة والأدب العربي بجامعة بيزا دانييلا أمالدي.
قائلة: «هذا هو الانفتاح الذي لا نعرفه نحن في الغرب باعتبارنا أوصياء (ثقافة وحيدة)».

جاءت معرفة محفوظ عن طريق القراءة للكتب والأدب الغربي واهتم بأفضل الكُتاب من أزمنة وثقافات مختلفة مثل (توماس مان، وديستوفيسكى، مارسيل بروست، بلزاك، إلى التراس الفارسي مثل الشيرازي).

هدفه كان توسيع آفاق رؤيته ومقارنة مستوياته بالمستويات العالمية، هذا هو الانفتاح الذي تعنيه أمالدي، أخذ محفوظ من الانفتاح لب الموضوع، حتى وصل لدرجة من الابتكار والمقدرة ربما لم يدركها حتى، نجيب محفوظ موسوعة أدبية، متعدد الأساليب، وهذا هو الانفتاح الذي يجب أن تسعى إليه الشعوب الشرقية والاستفادة من تجربة محفوظ.

ما وجدته استثنائيًا أنك لا تستطيع بعد الاطلاع على بعض أعماله أن تحدد أهم ميزة في أسلوبه الأدبي، ربما نجيب محفوظ ليس أفضل كاتب على الاطلاق، لكن أمرًا نادرًا وجود كاتب قادر على أن يجعل أغلب مزاياه المتعدده على درجة واحده من العلو، تتساوى لديه المتعة مع المهارة اللغوية مع السلاسة مع جودة الفكرة هي الأخرى… إلخ؛ لذلك ظلت أعماله خالدة لليوم ومتداولة رغم عصر تعددت فيه الطرق الأبسط للمُطلع ليحصل على المعرفة التي يريدها.

فتح بفوزه بنوبل مجال لرؤية الكاتب والأدب العربي أمام الغرب ومن أهم الأمثلة (إيطاليا) التي عقدت مؤتمر مشترك بين المعهد الشرقي بروما والأكاديمية المصرية بعد ذلك التتويج عُرض فيه عدد من أطروحات كبار كتاب ونقاد إيطاليا بارزة الأدب المصري، وخلق ذلك حالة من الثقة لفترة كبيرة في الأدب المصري لدى قارئ إيطاليا.

محفوظ ببساطة هو الرجل الأول وراء ظهور الأدب العربي في أوروبا في أي وقت مضى، ونقطة البداية وراء ثقة القارئ الأوروبي بالمضي نحو معرفة الأدب العربي، ففي موقع إيطالي عنوانه «من ينصحني بكتاب» سجل لمحفوظ نحو 104 آلاف شخص إعجابهم بهذا الاقتراح، وفي حديث آخر للمستشرق الإيطالي سيرجو نويا، الذي كان من ضمن من لمح مشككًا في أحقية محفوظ بنوبل، لكنه تحدث مبرزًا كيف أن النهضة الأدبية في مصر وصلت إلى أقصاها عند نجيب محفوظ.

نجيب محفوظ بدون علمه أعطى فضل وخدمة واضحة لأدباء العرب أجمعين في كل مرة ظهرت كتاباته أو نقدها وتفسيرها، هو النموذج الذي بين قيمة الانفتاح الذي ناله والذي سعى وراءه دون نية مسبقة وعلم، لكن ماذا بعد؟

جاء نجيب محفوظ بدور بسيط يكسر تلك القاعدة لفترة من الزمن ويفتح حلقة وصل في مجال هام كالأدب، وارد ظهور محفوظ جديد في إحدى المجالات الفنية أو الرياضية كفلتة مثل محمد صلاح، لكن ما يفعله العرب ومصر في الحقيقة يتعدى الانغلاق.

في وضع لم يتبق فيه لنا سوى أمل وحيد من بعض الموهوبين والمطلعين ساعين نحو انفتاح ووصل يعود علينا بمنافع كالتي خلقها محفوظ في فترة من الفترات، يأتي طمس المواهب كشيء طبيعي ومعتاد.

المشكلة لدينا ليست في الانغلاق وحسب، دفن بذرة نمو إحداهم من الأساس أصبح بالأمر الراهن في عالمنا الشرقي، ونتاج هذا بدأ في الظهور منذ وقت مبكر بالفعل، ليست الأزمة الحقيقية في تأخرك عن العالم، لكنها في دفن آمالك المتبقية للوصول.

هذا الوضع الذي خلقه الشرق ومسؤوليه، أحسن استغلاله الغرب لانتقاء نبتتك الجيدة وتعزيز أنفسهم بتعزيزها، لكنها ليست سوى مسؤوليتنا نحن في الدرجة الأولى – لا الساقي ولا النبتة –

النماذج المحفوظية ندر تواجدهم بيننا، لكنهم لم ينقرضوا، ما زال هناك البعض الذي لا يملك معه من القوة للمواصلة سوى الإيمان بنفسه، وإيمان البعض بهم، ربما لأن العالم سيظل يحمل في كل بقاعه ما هو مميز؛ ليحتاج كل فرد في النهاية التعرف على ما هو مختلف عما يملكه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد