سياستهم التي يمارسونها لربما أصبحت تقتلنا أكثر من القصف والدمار، ولكن بشكلٍ مختلف وهو الأمل، فما إن نشاهد الأخبار والمعطيات يبدأ الأمل بالانبعاث من داخلنا بفرحة عودة، أو ارتياح، أو تغيير بالأحوال على كافة الأصعدة، ولكن لا يمسكون أفواههم وسياستهم التي تحَّكمهم بذلك، فلن ولم يقفوا عن ممارسة سياسة الخداع والتهجين للرأي العام وبث عكس ما يتم أسفل طاولة المفاوضات؛ فكلٍ منهم يمارس لمصلحته، وليس لأي شيءٍ آخر.

فما إن جلسنا في وضع المراقبة للأخبار التي تُبث، وما إن تنقلنا من شريطِ العاجل للآخر ومن قناة إلى أخرى لعلنا نفهم شيئًا ما من المصلحة التي يريدون تحقيقها هذه المرة.

فالمصلحة السياسية والجغرافية والديموغرافية تزاد لكلٍ منهم على حدة، والجميع يريد الاستفادة بأكبر قدرٍ ممكن، تدخل تركيا عملية جديدة في سوريا معطيةً من خلالها كثيرًا من التفاؤل، وخصوصًا بعد ردود الفعل التي حصلت على الصعيد العربي والأمريكي والروسي والغربي وغيرها؛ ظنًّا، أو لربما كذبًا أن تركيا ستخرج عن المألوف هذه المرة لتقدم شيئًا ما جديدًا، حتى وإن كان لمصلحتها في المنطقة.

لتستمر العملية أيامًا معدودة، وبعد ذلك فجأة تُستأنف لحوالي خمسة أيام، لنعود إلى نقطة أسوأ من الصفر هذه المرة، فما إن كان الهدف إبعاد ومحاربة الفصائل الكردية لتدخل السياسية أوراقها من جديد؛ ليصل النظام السوري إلى الحدود التي كانت من المفترض أن تأخذها قوات العملية التركية.

وفي السياسة لا تخمين محكم، ولا يمكننا أن ننكر أن دخول القوات التركية لسوريا سيعطي مساحة آمنة للمدنيين وسيسمح لكثير من المهجرين والنازحين بالعودة لمنازلهم وأرزاقهم، بالإضافة إلى أنه لا يجب علينا وصف العمليات أو ما تقوم بها تركيا بالاحتلال، ولا يمكننا تحديد ذلك من الآن مهما قامت تركيا بإعادة إعمار للبنية التحتية والتعليم والصحة وغيرها، ولكن هناك هدفًا أساسيًّا لكل خطوة، ولربما إبعاد الأكراد عن حدود تركيا بشكلِ كامل هو الأهم بالنسبة لها، فضلًا عن قطع طرق الإمداد بالنسبة للفصائل الكردية، وتمكنهم لاحقًا من إعدام وجودهم في الشمال.

فعندما بدأت تركيا في العملية كانت تقول إن كل نقطة سيدخلها النظام ضمن مسار عملية نبع السلام سنرد بالضرب، ولكن رغم هذا ننظر إلى رسم الخريطة لنرى أن النظام مُسيطر على القامشلي، وسيطر على مساحة من أطراف مدينة منبج، ومعنى هذا أن النظام خارج التفكير تمامًا لدى الأتراك، بينما أمريكا كانت تارةً مؤيدة وأخرى معارضة، في البداية كانت تحذر وتطلب عدم التهور، بالإضافة لكثير من الرسائل التي أرادت إيصالها بطريقةٍ غير مباشرة، على أن تركيا جيش قوي والثاني في حلف الناتو، ولديها طائرات، وأسلحة وبعد ذلك تغير الكفة بفرض عقوبات على أنقرة والتهديد بتدمير الاقتصاد، بالإضافة إلى أن الأمريكان أرادوا التخلص من الأكراد ودعمهم وما شابه.

وأما بالنسبة لروسيا فبعد أن نظرات أمريكا ترى أن الروس هم الخيار الأنسب والأقوى لملء الفراغ الأمريكي في المنطقة، وأيضًا روسيا ترى نفسها على أنها الوحيدة التي تسعى للحل دائمًا.

في الختام تركيا تُلبس عملية نبع السلام الزي الإنساني أكثر من أي لباس آخر، ولكنها تصب في مصلحتها في جوانب مختلفة؛ فعلى الصعيد السياسي تركيا تثبت موقفها وتسير به دون الإصغاء بشكلِ كامل لقوة الشر أمريكا، وعلى الصعيد الجغرافي ستؤمن حدودها وستأخذ مساحة كبيرة، وستنهي تمدد الفصائل الكردية، وعلى صعيد اللاجئين فإنها ستعيد على حسب قولها أكثر من مليون لاجئ سوري، مما سيساعدها على إعادة ترتيب ديموغرافي دخلي وخارجي، بالإضافة لتخفيف أزمة اللاجئين في أراضيها، والنقطة الأهم أيضًا استخدام اللاجئين ورقة لعب أمام أوروبا وغيرها.

والتصريحات السياسية التي حصلت على مختلف الجوانب من عقوبات، ووقف الصادرات العسكرية، وتوقيف العضوية، ما هي إلا كلام سياسة ونفاق وتحجيم للأمور، وأما بالنسبة للنظام السوري فليس له لا ناقة ولا جمل لا من هذه العملية ولا غيرها، ولن يقدم أو يؤخر، فلا شأن له في سوريا أساسًا.

وبالنسبة للجامعة العربية التي استيقظت من غيبوبتها بعد تسعِ سنوات، ما هي إلا دليل على أن تركيا الشوكة الوحيدة في حلقِ العرب، وأخيرًا عملية نبع السلام ما هي إلا نبعٌ للمصالح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد