تكلمنا في الجزء الأول من هذا المقال، على أن الاختلاف حتمي بالوجود الإنساني، وأن إدراك الآخر والرغبة في التعرف عليه هو الذي يضع الاختلاف في وضعه الواقعي. ثم بعدها تحدثنا عن الشكلين اللذين يتخذهما الاختلاف، وهما التكامل والصراع. وتحدثنا بعدها عن طريقين يؤديان إلى الصراع. ويبقى لنا في هذا المقال أن نتحدث عن الطريق الثالث الذي يؤدي إلى الصراع.

التعبير عن رأي معين

إن إدراك الإنسان لما يُحيط به، يجعله يتخذ موقفًا من هذا المحيط، حسب منفعته التي يترجاها منه (من هذا المحيط)، فإن كان ما يحيط به يصب في مصلحته فهو خير، وإن كان يصب في مضرته فهو شر.

لكن هذا الموقف الذي يُتخذ، يبقى في المجال الفكري والشعوري، ولا يأخذ مساره إلى الواقع إلا إذا تم التعبير عنه. ولا يتم ذلك إلا إذا كان هنالك طرف آخر سيتلقى هذا التعبير ليعيه ويفهمه. لكن يبقى السؤال ما الغرض من هذا التعبير؟

الغرض هو إثارة انتباه الطرف الآخر، والرغبة في معرفة هل له نفس الرؤية للمحيط أم تختلف الرؤى، وهذا يدخل كما في المقال الأول، في إطار معرفة الآخر. فالتعبير كيفما كان الأمر، هو تعريف الآخر بنفسي، ورغبتي في معرفته (معرفة الآخر).

وبالفعل، فالرؤى تختلف لأن الاختلاف حتمي بالوجود الإنساني، وهكذا فالمواقف المتخذة من المحيط تختلف من شخص لآخر. إذن الآراء لابد لها وأن تختلف. وهذا التعبير عن موقف معين هو الرأي نفسه، وبما أن اتخاذ موقف معين من شيء أو فعل أو فكرة أو شخص أو ظاهرة، يعتمد على الذات الإنسانية التي تختلف حسب المكان والزمان والقدرة الموروثة والمكتسبة وأخيرًا حسب الصيرورة في الواقع والفكر، فإن هذا الرأي سيُبنى على هذه الأسس.

نرى من هنا، أن الرأي هو مجرد فهم للواقع، وليس واقعًا، فليس هناك رأي مطابق للواقع، بل هناك رأي يقترب من الواقع. فكل شخص ما دام له إدراك فإن له موقفًا، وما دام له موقف فإن له رأيًا. لكن هذا الرأي يتخذ مجموعة من الأشكال.

أشكال الآراء

يتخذ الرأي أربعة أشكال حسب المصدر الذي اعتمده الشخص لبناء هذا الرأي:

1-الرأي العقلي وهو الذي يعتمد على المنطق في بناء نظامه، حيث يعتمد على مسلمات أولية يستنبط منها نتائج، تكون متناسقة مع المسلمات الأولية. حسب قوانين الفكر الضرورية (قانون الذاتية، قانون التناقض، قانون الثالث المرفوع). وهذا الرأي يعتمد على الدليل المنطقي التصوري (وسنتحدث عنه عندما نعرض أنواع الأدلة).

2-الرأي الإحساسي، وهو الرأي الذي يعتمد على الحواس لبناء نظامه. وهو أكثر الآراء قابلًا للمناقشة والجدال والتغير.

3-الرأي الشعوري، وهو الرأي الذي يعتمد على المشاعر والعواطف لبناء نظامه. وهذا رأي لا يُناقش، لأن لا أدلة يعتمدها لتأكيد صوابه، فهو رأي ذاتي، يعتمد على مشاعر وعواطف الشخص التي تتغير حسب الحالة النفسية، والحالة الفيسيولوجية للشخص.

4-الرأي الاعتقادي (أو الإيماني)، وهو الرأي الذي يعتمد على المسلمات والأفكار التي تم توريثها اجتماعيًا لبناء نظامه. وهذا الرأي هو من الآراء الثابتة والتي لا تقبل النقاش ولا التغير، وأي تجرؤ على ذلك قد يؤدي إلى صراعات مريرة.

إن التعبير عن رأي معين من هذه الأنواع الأربعة، والاختلاف الذي ينتج بينها حول قضية معينة، يجعل كل طرف يحاول أن يؤكد أن رأيه هو الأقرب إلى الحقيقة. ولتحقيق ذلك لابد لكل رأي أن يضع الدليل الذي يؤكد صحة رأيه. فللمقارنة بين الآراء والحسم بينها في مدى صحتها، يتم الاعتماد على الأدلة لتحقيق ذلك، فالدليل هو الذي يضفي على الرأي صبغة الموضوعية ويُبعدها عن الذاتية. فما هي الأدلة التي يمكن اعتمادها لتأكيد رأي ما على حساب رأي آخر؟

أنواع الأدلة

هناك ثلاثة أنواع من الأدلة:

1-الدليل الواقعي: وهو الذي يعتمد على الحواس للبحث عن أي شيء يؤكد صحة الرأي، وهذا الدليل له شكلان:

       أ-الدليل الواقعي العلمي: يعتمد على الملاحظة العلمية والتجريب للتأكد مما يتم ملاحظته. وتكرار التجربة هو الذي            يضفي على هذا الدليل قوة كبيرة، لأنه يمكن تكراره في أي مكان إن توفرت نفس الشروط التي أفرزت ما تم ملاحظته في أول الأمر.

       ب-الدليل الواقعي العامي: وهو الذي يعتمد على الملاحظة السطحية، وبعدها يعتمد على الذاكرة لتخزين ما رآه              ليُعبر عنه شفويًا، ويبقى هذا الدليل ضعيفًا، لأنه يعتمد على ذاتية الشخص، فلا يمكننا أن نتأكد هل ما يُعبر عنه              هذا الشخص صحيح أم خطأ، لأن ليس هناك ما نستطيع من خلاله قياس مدى حسن نوايا الناس. وهذا الدليل                يتقاطع مع دليل سنورده في النوع الثالث من أنواع الأدلة.

2-الدليل المنطقي: وهو الذي يعتمد على العقل للتأكيد عن صحة الرأي. وله شكلان:

        أ-الدليل المنطقي التصوري: وهو الذي يعتمد على العقل بشكل خالص، متأملًا بواسطته لاستخراج ما يمكن أن يؤكد           به الرأي، وهذا الدليل يستمد قوته من تناسق نظامه أي تناسق مسلماته ونتائجه، ويكون قويًا أكثر كلما اعتمد على         الدليل الواقعي.

        ب-الدليل المنطقي الرياضي: هو الذي يعتمد على النظام الكمي، وهو دليل لا يحتمل نتائج متعددة، بل نتيجته تكون             ضرورية، فواحد زائد واحد ليس يساوي 2، وإنما واحد زائد واحد يجب أن يساوي 2. وهذا ما يجعل هذا الرأي أقوى الآراء. لهذا أصبح الدليل الواقعي العلمي يعتمد على هذا الدليل في شتى ميادين رأيه العلمي.

3- الدليل التاريخي: يكون الماضي هو مجاله الخاص، وهو ثلاثة أشكال:

         أ- الدليل التاريخي الشفوي: ويعتمد على الذاكرة، والتعبير الشفوي، وهو الدليل الذي قلنا إنه يتقاطع مع الدليل              العلمي الواقعي. وهذا الدليل يتخذ مسارين؛ إما مسارًا عموديًا حينما تنتقل الروايات الشفوية من جيل إلى آخر،                وإما مسارًا أفقيًا، حينما تنتقل الروايات الشفوية بين أعضاء نفس الجيل.

         ب- الدليل التاريخي الكتابي: وهو ما تم تدوينه كتابة، وهو شبيه بالدليل التاريخي الشفوي في المسارين اللذين                      يتخذهما. والفرق بينه وبين الأول؛ هو أن الأول اعتمد على الذاكرة للحفظ، في حين أن الثاني اعتمد على الكتابة.                  صحيح أن الأول أضعف من الثاني كدليل. لكن يبقى الاثنان معًا ضعيفين في سياق الأدلة الواردة، إلى جانب الدليل              الواقعي العامي.

         ج- الدليل التاريخي الأثري: وهي أشياء مادية، تُركت من طرف شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب اضطرار ما           (كالموت). وهذه الأشياء تدل عن ممارسة ما أو عن فكرة معينة. ويُعتبر هذا الدليل أقوى الأدلة من بين الأدلة                       التاريخية.

التعصب والتطرف

إن الدفاع عن رأي معين، يعتمد كما قلنا على أدلة لتأكيد صوابه. وهذه الأدلة كلما كانت قوية وكثيرة تكون داعمة للرأي. فالرأي يمكن أن يكون صائبًا، لكن إن لم يستحضر دليلًا قويًا مدعمًا له، فإن صوابه ذلك لا يتم تأكيده، يعني أن الرأي الذي يمتلك الأدلة القوية والكثيرة هو الذي يؤكد صوابه حتى ولو كان خاطئًا (وهذا ما تعتمده المحاكم مثلًا، المحامي الأذكى والذي يستطيع أن يوفر الأدلة القوية والكثيرة هو الذي يكسب القضية حتى وإن كان مُوكله ظالمًا). فلو تخيلنا أن هناك رأيًا صائبًا لكن لا يملك دليلًا لتأكيد صوابه هذا، ثم هناك رأي معارض وليس صائبًا، لكنه يمتلك دليلًا يؤكد صوابه، فإن الرأي الثاني هو الذي يؤخذ على أنه الرأي الصائب. إذن المسألة تُحسم بالأدلة.

إن الاقتناع برأي ما، يجعل دور الأدلة دور وسيلة لتأكيده (تأكيد الرأي)، وليس للتأكد منه، لهذا عندما لا يجد هذا الرأي دليلًا لتأكيد صوابه، يرى في الرأي المعارض تهديدًا لوجوده. وهذا هو التعصب. والتعصب يجعل صاحبه يُجازف ويُخاطر من أجل الرأي الذي اقتنع به، لأنه لا يعتبر أن عدم وجود أدلة لتأكيده هو في حد ذاته خطأ في الرأي، وإنما يعتبر ذلك ضعفًا في القدرة الإنسانية لاكتشاف الأدلة التي تؤكده. يعني أن التعصب هي ظاهرة تمس جميع أنواع الآراء التي أوردناها أعلاه، لكنها تكون قوية في الرأي الاعتقادي، لأنه من الآراء التي ترتبط بالمصير الإنساني المتعلق بالموت (أي ما يوجد بعد الموت). لكن هذا لا يعني أن التعصب صبغة خاصة بهذا الرأي، وإنما هي ظاهرة تشمل جميع الآراء، إن توفرت شروط هذه الظاهرة. لكن التعصب خطير إلا إذا التقى بالتطرف.

أما التطرف فهو استعمال الأدلة لإصدار حكم المطلق على رأي ما، سواء أضفى على رأيه الحقيقة المطلقة، أو أَضفى على رأي الآخر الخطأ المطلق، وعندما يتم إضفاء الخطأ المطلق على الرأي المعارض، يتم إجراء الاستبعاد المطلق، وهنا يلتقي التطرف بالتعصب.

فالتعصب لرأي ما، يؤدي صاحبه إلى إصدار حكم الاستبعاد على الرأي المعارض، سواء باستبعاده معنويًا وذلك باتهامه (بالجنون أو الهرطقة) أو باستبعاده ماديًا (قتلًا أو اعتقالًا أو نفيًا أو مقاطعة) وهذا أسوأ الاستبعادات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد