ثلاث عشرة رصاصة خطيرة قاتلة في سبع معارك خاضتها كتيبة بلماضي للفوز بالحرب التي دارت رحاها على الأراضي المصرية بغية الفوز بالكأس القارية وتسود القارة الأفريقية، رصاصات خلفت جراحًا غائرة لكثيرين، في حين كانت آخر رصاصتين مؤلمتين وقاتلتين أسكت بهما محرز وبونجاح كل الحاقدين على المنتخب الوطني الجزائري، والشامتين به، والراغبين بشدة في خسارته، وفقدانه للقب الذي حلم به الجميع وانتظروه وحاربوا من أجله لسنوات طويلة.

مع تقدم المنتخب الجزائري في الأدوار وتجاوزه لمنافسيه الواحد تلو الآخر بالنتيجة والأداء، بدأ الكل في الجزائر وخارجها يرشحون تشكيلة بلماضي للعب على اللقب القاري، خصوصًا وأنها لم تكن مرشحة أبدًا قبل نهاية دور المجموعات من كثيرين بعد الأداء المخيب في حقبة الناخب السابق رابح ماجر قبل حين فقط، وتسلم جمال بلماضي لمنتخب ضعيف فاقدٍ للمعالم، مهلهل لا حول له ولا قوة، لتكون مصر 2019 فقط للترقيع لا غير ذلك هدفًا.

سيناريو التأهل في ربع النهائي أمام المنتخب الإيفواري بركلات الترجيح جعل الكل يؤمن بالتتويج ويثق أكثر من أي وقت مضى في ذلك، وهو ما جعل الضغط يزداد على الجماهير التي تأمل في تحصيل فرحة كبيرة تنسيها هموم البلد وشقاءه، غير أن البعض في فرنسا لم يعجبهم تألق المنتخب الوطني الجزائري وخروج الكثيرين من أبناء الجالية بالأعلام الوطنية للاحتفال بانتصاراته وترديد العظيم من شعاراته.

قبيل لقاء نصف النهائي ضد نيجيريا صرح النائب الفرنسي عن اليمين المتطرف جوليان أو دول عبر تغريدة نشرها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» مخاطبًا فيه بني جلدته من الفرنسيين قائلًا: كي نمنع استمرار العنف والشغب، وكي نتفادى رفع الأعلام الجزائرية، ونحافظ على عيدنا الوطني، لا تنتظروا شيئًا من الجزائريين، يجب أن تثقوا فقط في الـ11 لاعبًا نيجيريًا.. أنا أدعم نيجيريا، وهو ما يوضح الحقد الدفين تجاه الجزائريين لدرجة تشجيع نيجيريا بقوة خوفًا فقط من أحداث شغب قد تحدث في باريس وغيرها مدن، ليأتيه الرد مباشرة وعبر نفس الموقع من رياض محرز بعد المباراة وبعد تسجيله لهدف التأهل في آخر لحظات اللقاء حيث قال بتهكم: تلك الضربة الحرة كانت مهداة إليك.. نحن معًا، ووضع العلمين الجزائري والفرنسي جنبًا إلى جنب، وليكتب أيضًا في رد آخر ساخطًا: كرة القدم أكبر بكثير من الكراهية.. ليلة سعيدة. وهي الردود التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وتداولها كثيرون بقوة لما لها من معنى كبير يبغض العنصرية والتفرقة بين سكان بلد واحد، ويدعو للعيش بتآلف عوضًا عن تأجيج الأحقاد وإشعال نار الفتن.

بعد المقابلة مباشرة خرج الملايين فرحين مبتهجين بالهدف الذي جاء في آخر أنفاس اللقاء، وما جعلها فرحة مضاعفة وزادها جمالًا الرد القاسي لرياض على النائب الفرنسي، هدف وتأهل جعل كل الجزائريين عبر الكثير من البلدان يهللون، ضاربين موعدًا للعالم أجمع بعد أيام فقط في المشهد الختامي.

مشهد ختامي مرتقب وأبصار شاخصة إلى القاهرة ناظرة، والكل يترقب احتفالات كبيرة في الجزائر وفي فرنسا التي تتضمن أكبر جالية جزائرية وغيرها بلدان في العالم، لم يمر الحدث مرور الكرام هذه المرة أيضًا لتحذو مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية حذو جوليان أودول وتخرج بتصريحات عنصرية أخرى تجاه أبناء الجالية الجزائرية الذين يحضرون للاحتفال بعد النهائي ضد السنغال، وتطالب بسحب الجنسية منهم إذا احتفلوا بعد التتويج، فهم مثيرون للفوضى، وسيتسببون في قطع الطريق، والعدوان، والنهب، وارتكاب أعمال مناهضة لبلادها.

وقالت لوبان أيضًا: إنّ ما يحدث في فرنسا خلال مباريات الجزائر هو أمر مروع، ومقلق، وحان الوقت لمراجعة السلطات الفرنسية لقوانينها بكل صرامة. ليتأيها رد آخر بهدف قاتل بعد أيام من بغداد بونجاح أهدى للجزائر اللقب القاري وأخرج الملايين بقوة في المدن الفرنسية المختلفة محتفلين ومهللين لتبق الغصة في حلق مارين إلى حين.

وبالإضافة إلى مارين لوبان وجوليان أودول صرح رئيس حزب (انهضي فرنسا)، نيكولا دوبون إينيون، وخاطب الجزائريين بفرنسا على قناة (فرانس 2)، قائلًا: فرنسا استقبلتكم، وأطعمتكم، ووفرت لكم التعليم والعلاج، ولكن إذا كنتم تفضلون الجزائر، فعودوا إليها! ورغم أنه لم يعمم في الوصف، إلا أن نبرة العنصرية جاءت واضحة جدًا على غرار البقية من أعضاء أحزاب اليمين المتطرف، والذين لا يتركون مثل هذه الفرص لتبيان الأحقاد والغل الدفين للجزائريين ولغيرهم من الجنسيات المختلفة الذي اتخذوا من فرنسا مستقرًا لهم، أو ممن جعلتهم ظروف الحياة خارج بلدانهم.

أهداف المنتخب الجزائري كلها كانت جميلة وحاسمة، كل مباراة بخصوصيتها وخصوصية أهدافها، لكن هدفي محرز وبونجاح الحاسمين في مقابلتي نصف النهائي والنهائي كانا الأحسن والأجمل، فهما الذين أهدوا الجزائر اللقب وأسكت كل الحاقدين الذين جعلوا من البغض، والكره، والعنصرية ديدنهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد