الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

قبل عدة أشهر كتبت عن الأسئلة المتعلقة بالثورة ومنها مرحلة ما بعد الاستبداد، وقلت إنه سيكون الكل معنيًا بهذه المرحلة وما يحدث فيها ولو كان صامتًا وبالتالي يجب التعامل مع هذه المرحلة بالشكل الصحيح وإلا فالكارثة ستحل على الجميع، يعيش السودان هذه المرحلة حاليًا بعد سقوط نظام البشير ولو أن الكثيرين لا يسلّمون لهذا القول ولهم أسبابهم المنطقية.

يدخل علينا شهر رمضان والمعتصمون موجودون في محيط مباني القيادة العامة للقوات المسلحة منذ ما يقارب من شهر يحافظون على نار ثورتهم متقدة حتى تتحقق مطالبهم بتنفيذ بنود إعلان الحرية والتغيير والتي تتصدرها حكومة مدنية ديمقراطية، والمجلس العسكري يعد بتسليم السلطة للمدنيين في حين أن كل ما يفعله تقريبًا يصرخ بأعلى صوته بأنه لا ينوي في أي يوم تسليمها.

منذ يوم الانقلاب قدّم المجلس العسكري نفسه للشعب على أنه هو المتصرف الأوحد في شؤون الدولة وأنه لا يجوز فعل أي شيء إلا بموافقته وهو المرجعية في كل ما يتعلق بإدارة الدولة، والمؤسف أن القوى السياسية تصرفت وفق هذا الأساس، فهي التي تذهب لزيارة ممثلي المجلس العسكري وتقدم رؤيتها للمرحلة الانتقالية والمجلس العسكري يتسلم التصور ويعدهم بالنظر في الأمر والتقرير فيه لاحقًا، هذا المشهد المخزي وحده سببًا كافيًا لأن تكون الفترة الانتقالية أربع سنوات لعلها تكون كافيه لتخرج هذه القوى السياسية من حالة الخوار وانعدام الوعي والإدراك التي تعيش فيها الآن، قوى الحرية والتغيير وحدها التي تحدت هذا النمط وجعلت من نفسها فاعلًا موازيًا للمجلس العسكري في المشهد، ومشهد التفاوض إجمالًا يقوم على هذه الحقيقة.

المجلس العسكري يقوم بإصدار قرارات مثل عزل وزير الخارجية المكلف بحجة أنه لم يتشاور مع المجلس العسكري بخصوص استقبال الوفد القطري ويعزل وزير الإعلام المكلف بحجة أنه لا يملك خلفية تاريخية عنه، ويعلن عن أن يوم الأحد هو إجازة رسمية للمدارس المسيحية ويعلق تعاقد الشركة الفلبينية مع شركة المواني الهندسية ويوعز لوزارة التعليم العالي باستئناف الدراسة في الجامعات ويستقبل السفراء والوفود من كل دول العالم، كل هذا وغيره قد يبدو أنه إيجابي ويصب في مصلحة الثورة ولكنه يظل من دون موافقة الشعب وليس فيه اعتبار لإرادته، ولو كان هذا نوع من التنطع أو التعنت فلنتذكر أن المجلس العسكري هو الذي طلب من قوى الحرية والتغيير تفويضًا للشروع في الحوار حول المرحلة الانتقالية.

المجلس العسكري يظهر نفسه على أنه هو الكيان الوحيد المتماسك المتناسق فيما بين أعضائه وبالتالي فالأفضل للبلاد أن تكون الكلمة الأولى له، وهذا ما أشار إليه المتحدث الرسمي باسم المجلس شمس الدين الكباشي، وهذا ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا فكما قلت من قبل إن سبب الانقلاب على البشير ونظامه بالأساس هو الحرص على استعادة الثقة التي تزعزعت بعد موقف كبار الضباط وقادة المؤسسة العسكرية المخزي تجاه الاعتصام ومحاولات فضه بواسطة ميليشيات الأمن التي لم تتورع عن إطلاق النار على الجنود والضباط الميدانيين، وكان المجلس العسكري في نسخته الأولى بذات وهن نسيج العنكبوت فلم يصمد لأكثر من يوم، والآن هو في نسخته الجديدة يرأسه عبد الفتاح البرهان الذي لا يبدو أنه هو من يصنع القرار في المؤسسة بل نائبه محمد حمدان دقلو أو حميدتي، وحميدتي ولو كان يحمل رتبة فريق أول فهو ما زال رجل بعقلية زعيم ميليشية ولا يستحق أي رتبة عسكرية من الأساس، وستظل هذه الحقيقة راسخة عند الكثير من منتسبي المؤسسة العسكرية الذين يعلمون أن الوصول لأقل من رتبة حميدتي يحتاج إلى سنين من العمل الدؤوب، أما بالنسبة لحميدتي نفسه فهو يعلم أن نفوذه في المؤسسة العسكرية بسبب ولاء رجاله الخالص له في وحدة قوات الدعم السريع وتأتمر بأوامره وتنتهي بنواهيه، مع كل هذا تكون الصورة العامة هي كيان كبير يحمل بداخله الكثير من التصدعات وأسباب الشقاق.

من الناحية الأخرى لدينا القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير والتي على الرغم من أنها استطاعت أن تجعل مشهد المطالبة بالسلطة ينحصر بين طرفين إلا أنها لم تنقل نفسها من خانة رد الفعل لتمتلك زمام المبادرة بالرغم من أنها مدعومة بالشارع والطاقة الثورية الشبابية، والمشكلة لم تقف عند حد الاكتفاء برد الفعل.

مرحلة ما بعد الثورة مرحلة حرجة جدًا وضبابية للغاية وتحتاج للحكمة والنظر الثاقب للتعامل معها وحتى تنتقل البلاد من هيمنة النظام المستبد إلى رحاب دولة المؤسسات والحريات والحقوق لا بد من توفر عدة عوامل أهمها على الإطلاق التجرد الكامل من حظوظ النفس، وحظوظ النفس تشمل كل ما تكون فيه المنفعة الذاتية مقدّمة على المنفعة العامة، وكنت أتصور أن تحقيق هذا لن يكون صعبًا إذا علمنا أن المرحلة القادمة مرحلة انتقالية يجب أن يتولاها أصحاب الكفاءات والخبرات العملية العلمية ممن ليس لهم انتماء حزبي أو أيديولوجي تمهيدًا لانتخابات حرة نزيهة تشارك فيها كل الأحزاب السياسية ببرامجها وخططها للمستقبل، وكان من المفترض أن تكون الفترة الانتقالية بحسب إعلان الحرية والتغيير أربع سنوات تعمل فيها القوى السياسية لبناء قواعدها الجماهيرية والعمل والتحضير للانتخابات الحرة والنزيهة التي يتطلع إليها الشعب السوداني الذي خرج في ثورة ديسمبر التي انتهت بخلع البشير ونظامه.

كان هذا هو أحد أهم ما تمت على أساسه صياغة إعلان الحرية والتغيير والذي وقعت عليه الكثير من هذه القوى السياسية وهو الذي يبدو أن هذه القوى غفلت أو تغافلت عنه وهي تحتج على ما جاء في الوثيقة الدستورية التي تم تقديمها للمجلس العسكري.

هذه القوى والشخصيات التي وقعت على الإعلان ومنها السيدة مريم الصادق وأمين عام قوى نداء السودان مني أركو مناوي وغيرهم الكثير من القيادات التي كان محور احتجاجها ورفضها للوثيقة هو أنها لم يكن لها رأي في صياغة الوثيقة، وهناك من تحدث عن عيوب في الوثيقة الدستورية ويطالب بتعديلات وأمور يجب أن تراعيها رؤية قوى الحرية والتغيير وكأنه يطلب دستورًا دائمًا وليس تصورًا لمرحلة انتقالية عمرها أربع سنوات فقط.

ختم هؤلاء اعتراضاتهم على الوثيقة بالمطالبة بصياغة رؤية تتوافق عليها كل القوى السياسية وأن يتم العمل تحت قيادة يتم التوافق عليها من كل القوى السياسية أيضًا، ولا أظن أن هناك من يقول إن هناك فرصة لتحقق ذلك على الواقع أصلًا بل لا أظن أن هذه القوى السياسية تعتقد بإمكان ذلك من الأساس، ولو كانوا ينشدون جهة يتوافقون عليها لأدركوا أن ضالتهم في الذي صاغ إعلان الحرية والتغيير نفسه والذي وقعوا عليه، والذي كان الدينمو المحرك للأحداث طوال الأشهر الماضية والذي أنجز في أشهر قليلة ما فشلوا في إنجازه لعقود من الزمان.

مصدر هذا الخلل والعوار في السلوك هو التيه عن الفكرة المركزية التي يجب أن يتم العمل وفقها وهي مدنية السلطة والتحرر من هيمنة العسكر والوصاية التي يفرضها على الشعب السوداني منذ ما بعد الاستقلال وإلى يومنا هذا، وكفى بالسياسي خذلانًا أن يتوه عن هذه الفكرة، فما بالك بمن يتحدث عن أن هناك «تخوين مجحف في حق المجلس العسكري» ومن يدعو لـ «عدم استفزاز المجلس العسكري» وغيرها من أسمى آيات الشكر والعرفان للمجلس العسكري بأن خلص الشعب السوداني (على حد زعمهم) من استبداد النظام القديم.

قوى الحرية والتغيير لا تملك رفاهية الوقت، وكان من المفترض أن نطالب في هذه اللحظة بالتصعيد ضد المجلس العسكري لدفعه نحو تسليم السلطة ولكن قصور التفكير والنظر عند بعض من في قيادات التحالف عقّد المشكلة وزاد من صعوبة الانتقال المنشود إلى خانة الفعل لتكون الأولوية هي الحفاظ على تماسك التحالف، والمجلس العسكري يرى كل هذا وهو ينال كل ما يريده من الوقت لتوجيه المشهد نحو وجودهم في السلطة والحفاظ على مكانهم كجهة صانعة للقرار ومستقلة عن الدولة وموازية للمؤسسات الأخرى.

الخطر الذي يتهدد البلاد برأيي ليس مجرد أن يؤول الأمر إلى المجلس العسكري، بل أن تكون في أيدي رجال لديهم من أسباب التفرقة ما لا يتعاملون معها إلا بالسلاح، الأمر الذي سيقود البلاد بأسرها إلى المجهول، ومقدمات ذلك واضحة في ظهور الرجل الذي يتصدر المجلس في الآونة الأخيرة وهو يمثل برجاله في وحدة قوات الدعم السريع قوة مستقلة عن المجلس نفسه.

لدينا مجلس عسكري هو الأقرب للاستيلاء على السلطة من قوى معارضة كان الأجدر بها أن تكون أكثر تماسكًا وأن تضع نصب عينها فكرة مدنية السلطة والعمل على تحقيق ذلك، ولا أعلم إن كانت للشرطة وسائر القوى العسكرية ستكون أكثر جرأة على الثوار بعد احداث نيالا الدامية ووقوع بعض أحداث التفلتات مثل حادث اجتماع حزب المؤتمر الشعبي ومباراة الدوري المحلي وغيرها دون أن يكون هناك موقف جاد للتحالف تجاه كل ما يحدث.

من النكات التي انتشرت مؤخرًا أن حميدتي قال لأحدهم عبارته التي قالها في المؤتمر الصحفي «لا فوضى بعد اليوم» فرد عليه قائلًا: لولا الفوضى لما كنت نائب رئيس المجلس العسكري برتبة فريق ركن، لا شك أن هناك محاولات لتلميع شخصية حميدتي بين الناس وآخرها كان من طريق قناتي العربية والحدث، وأنا مقتنع لدرجة كبيرة بأن هذه المحاولات لن تنطلي على الجيل الذي يقود الثورة اليوم فمهما فعل المجلس لن يجد أي قبول من جيل الشباب ومهما فعل حميدتي فسيظل عند الشباب الرجل الذي كان أداة النظام السابق لارتكاب الجرائم والمذابح في دارفور وأنه مثل غيره من أذناب النظام السابق عليه دين كبير للشعب واجب السداد.

سقوط قادة العسكر في نظر الشباب الثوري ووعي الشباب بحقيقة المجلس وأهدافه سيكون هو المعامل الذي لا يتغير في المشهد الحالي بكل تعقيداته وهو الأمل بعد الله عز وجل في ثبات هذا الحراك الثوري ومسيرته الثابتة لتحقيق طموحات الشعب السوداني، فيا ليت قيادات قوى الحرية والتغيير تضع هذا بعين الاعتبار عسى أن تتدارك الموقف وتكون على قدر المسؤولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات