البعد الإنساني لملحمة رائد الفضاء آرمسترونغ في فيلم First Man

انصدم أغلب متابعو السينما بمن فيهم أنا، عندما عرفوا أن المخرج «داميان شازيل» سيقوم بإخراج فيلم درامي تاريخي حول شخصية آرمسترونج، والسبب هو أن أفلامه الثلاثة الأولى كانت أعمالًا موسيقية، والتي ترشح اثنين منها لـ3 جوائز أوسكار وفاز منهم بواحدة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه حاليًا هو: هل نجح «داميان شازيل» فعلًا في هذا العمل الدارامي التاريخي، أم أن الدراما الموسيقية هي المنطقة الوحيدة الذي يبدع فيها؟

حسب ما قرأت في مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع التقييم وعلى الخصوص موقع «IMdb» كان هناك سخط واستياء كبير حول الفيلم، وصراحة لا أعرف ما السبب الذي جعل أغلب المشاهدين يكرهون الفيلم.

أكتب كلماتي الآن وأنا أستمع لمقطوعة «Quarantine» للرائع «جستن هورويتز» الذي أبدع في إنتاجه للموسيقى التصويرية للفيلم، والتي بنظري كانت من بين الأسباب التي جعلتني أعتبر هذا الفيلم تحفة سينمائية ستبقى خالدة في التاريخ، حتى لو اعتبره الجميع فيلمًا فاشلًا ولم يرتق أبدًا للتوقعات. لكن هناك بعض الأعمال السينمائية التي تكون للمستقبل وللأجيال القادمة لكي تستوعب الناس مدى عظمتها، فكم من فيلم كان مكروهًا في زمنه، لكنه تحفة سينمائية في عصرنا هذا.

لنبدأ بالحديث عن الفيلم ولماذا بنظري صنع «داميان شازيل» هذا الفيلم؟

الجميع في بداية اعتقد أن الفيلم سيتكلم عن الإنجاز التاريخي لوكالة الفضاء ناسا وحكومة الولايات الأمريكية، لكن الفيلم بأكمله يدور حول قصة حياة رائد الفضاء نيل آرمسترونج، وكيف قامت هذه الرحلة بتغيير حياته. الفيلم كما يعرف الجميع اهتز له الرأي العام وقام بعمل ضجة في المجتمع الأمريكي، حتى وصل بالأمر لرئيس أمريكا «دونالد ترامب» لكي ينتقد الفيلم، والسبب يرجع لأن الفيلم لم يتكلم عن إنجاز أمريكا والتي كانت السباقة آنداك بالصعود لسطح القمر، ولم يركز كذلك على مشهد العلم الأمريكي الذي يعتبره الأمريكيين مصدر فخر بالنسبة إليهم.

المخرج الشاب «داميان شازيل» ذهب بالفيلم بعيدًا إلى أقصى الحدود، إلى البعد الإنساني لشخصية آرمسترونج، وكيف وصل الإنسان إلى القمر، وما هي المراحل التي سبقت هذا الحدث التاريخي، وكيف كان يرى آرمسترونج صعوده للقمر والتركيز حول حياته الشخصية وعائلته، والمعاناة الزوجية التي واجهته قبل الذهاب في رحلته تلك.

الأغلبية شعرت بالإحباط عند مشاهدة الفيلم في الصالات السينمائية، والسبب يرجع لاعتقادهم أن الفيلم سيركز على جانب المغامرة مثل باقي أفلام الفضاء التي كنا نشاهد في بداية الألفية والتي كانت تبهرنا بالتصوير الرائع والمشاهد المرسومة، لكن مثل تلك الأفلام لم تعد تبهرني مثل السابق، وتغيرت نظرتي لها بشكل كبير. «داميان شازيل» ركز على الجانب الإنساني في الفيلم الذي أعطى للفيلم مجال كبير لإبداع الشخصيات ورونقًا مميز سيجعله بدون شك محفور في ذاكرة كل من شاهده واستوعب رسالة الفيلم.

ليست خطوات آرمسترونغ على القمر فقط، بل خطواتك أنت كذلك برفقة من تحب على الأرض، وخطوات البشرية بأكملها نحو التعرف على حقيقة الإنسانية التي أصبحنا نتساءل أحيانًا أين هي في هذا العالم القاسي واللاإنساني، هذا العالم القاسي الذي يفرق بين الناس سواء بالعرق أو الهوية أو الدين أو حتى الجنسية التي اندلعت حروب عظمى بسببها، بسبب أفكار ومسرحيات كانت وراء مجازر بحق البشرية والإنسانية، متناسين أن الهدف من وجودنا هو إعمار كوكبنا الأزرق وتحوليه إلى منطقة أمن وسلام، وليس حرقه وقتل كل من يخالفنا.

كلماتي هذه هي كل ما وصلت إليه بعد مشاهدتي للطريقة التي نظر بها آرمسترونغ إلى كوكب الأرض، وكيف استغرب من كل تلك الأفكار التي تفرق بين الناس، وكيف تبدو تلك الأفكار سخيفة جدًا عندما تنظر لكوكب الأرض من على سطح القمر، كوكبنا الذي نقوم بتدميره وهو يبدو من المكان الذي وقف عليه آرمسترونغ كالمنطقة المسالمة التي نعيش فيها بسلام، نعم ذلك الكوكب الأزرق الذي نظر إليه آرمتسرونغ هو نحن وهو الوطن وهو المكان الذي يوجد فيه كل من نحب، وكل من نعرف، وكل شخص سبق لنا أن سمعنا عنه، وهو الوطن الوحيد الذي نعرف. كل ذلك الوهم الزائف بأن لدينا مكانة عظيمة في هذا الكون دمرتها النظرة التي قام بها آرمسترونج من على سطح القمر.

طبعًا بعد مشاهدتي للفيلم ذهب عقلي مباشرة نحو التفكير بـالرسالة الخالدة من «كارل سيجان» إلى البشر في كتابه « Pale Blue Dot: A Vision of the Human Future in Space» الذي هو بالمناسبة كتابي المفضل ومن بين أعظم الكتب التي عرفها التاريخ، وهذا الكتاب كان من بين الأسباب التي جعلتني أحب الفيلم وأقدر العمل الجبار الذي قام به «داميان شازيل» في إنجاز هذا العمل العظيم الذي أظهر مدى سذاجة الدول الكبرى في التسابق نحو الصعود للقمر.

لنتكلم الآن حول الإخراج الذي كان رائع جدًا، الفيلم عرف طريقة تصوير مذهلة أعطت للفيلم لمسة فريدة من نوعها، وحملت كل من يشاهده داخل أحدث الفيلم. خصوصًا في مشهد الوصول إلى سطح القمر والذي هو من بين أفضل المشاهد في الفيلم، وقد تم تصويره بكاميرا أيماكس 77 م م، مشهد كان رائعًا مع لحظة الصمت الطويلة التي كانت قبل أن تلمس قدمي آرمتسورنج سطح القمر مع الموسيقى التصويرية السحرية، خصوصا المقطوعة «The Landing» لـ «جستن هورويتز» في رابع تعاون له مع «داميان شازيل».

أما التمثيل فهو قصة إبداعية أخرى، نسج خيوطها كل من «ريان جوسلينج» و«كلير فوي». وكما هو معروف على «داميان شازيل» دائمًا، الاختيار الرائع للممثلين والذي ظهر جليًا في فيلم «Whiplash» والأداء المذهل لـ«ومايلز تايلر» و«جي كي سيمونز» الذي حصل عن دوره في الفيلم لأوسكار هي الوحيدة له في تاريخه، وكذلك «إيما ستون» في فيلم «La La Land» الذي استحقت عنه جائزة الأوسكار بجدارة كبيرة.

«ريان جوسلينج» أبدع كثيرًا في الفيلم، رغم أن أدائه كان يغلب عليه الصمت طوال أحداث الفيلم، لكن الطريقة التي كان يقوم بها بالتعبير عن مشاعره من خلال تعابير وجهه كانت مذهلة لأبعد الحدود، أما «كلير فوي» فبنظري قامت بأفضل أداء لها عبر تاريخها، وهذه السنة كانت سنتها بامتياز مع أدائها الرائع في فيلم «Unsane» الذي أبدعت فيه بشكل لا يصدق.

لست بالشخص الذي يؤمن بالمؤامرات، ولن أقول أن هناك مؤامرة ضد الفيلم من تدبير حكومة أمريكا، لكن صراحة بعد ما رأيته في الترشيحات، بدأت أترك الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات، الفيلم ظلم كثيرًا في ترشيحات الجولدن جلوب والأوسكار، العديد من الشخصيات ظلموا كذلك من بينهم «داميان شازيل» الذي يستحق التواجد في الحفل في فئة أفضل مخرج لهذه السنة، و»ريان جوسلينج» في فئة أفضل ممثل عن دور رئيسي، و»كلير فوي» عن دور أفضل ممثلة رئيسية، و«جستن هورويتز» في فئة الموسيقى التصويرية.

إذا كنت من بين الأشخاص الذين ما زالوا لم يشاهدوا الفيلم، فأنصحك بمشاهدته بسرعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد