في بلد لا يخرج من أزمة إلا ويدخل في أخرى أشد، في أرض لم تر النور منذ سنوات عديدة، يواصل ملايين العراقيين حراكهم الشعبي الواسع منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من أجل فتح نوافذ وأبواب الغرف الموصدة، وجعل نور الحرية والديمقراطية يتسلل ويخترق العتمة السائدة داخلها، نور يسطع ليضيء الأمكنة، ورياح عاتية تنفض معها غبار الفساد بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الوضع السياسي والاقتصادي، والقضاء على الفقر والبطالة، والفساد الذي ينخر جسد الدولة، ومناهضة النفوذ الإيراني.. وغيرها مطالب أخرى كثيرة تؤجج النار في صدور المحتجين الذين يواصلون المظاهرات والاحتجاجات بقوة متحدين كل الصعاب الجمة التي تواجههم للحد من رغبتهم العارمة في استعادة حقهم المسلوب كحال إخوانهم في كل الأقطار العربية، حق لا يرونه مجسدًا إلا باستقالة عادل عبد المهدي وكل حكومته ومحاسبة كل الفاسدين بين الرافدين.

وفي الوقت الذي تتواجد فيه العيون والأبصار شاخصة نحو الحراك الشعبي، ونتائجه، ومخلفاته خطفت كرة القدم وأسود الأخضر قليل الاهتمام مجددًا في الشارع العراقي حين عاد المنتخب للعب التصفيات القارية المؤهلة لكأسي العالم قطر 2022 والصين 2023 والذي يتواجد المنتخب العراقي في مجموعتها الثالثة رفقة البحرين، وإيران، وهونغ كونغ وكمبدويا. وقبل الحديث عن حال المنتخب في التصفيات نعرج على حال استضافته للمباريات، ونرى هل من إجابة مبهجة ومفرحة للسؤال الأكثر تداولًا منذ عديد السنوات حين يلعب منتخب العراق، هل سيستضيف أسود الرافدين منافسيهم داخل أرض الوطن وعلى ملاعبه، وبين جماهيره!

قبل أشهر قليلة كانت هناك مساعي عراقية حثيثة لرفع الحظر عن ملاعب الدولة نهائيًا والسماح للمنتخب بإستضافة مقابلات التصفيات المزدوجة لكأسي العالم وآسيا داخل بلاد الرافدين وكانت حينها (ملاعب أربيل، وكربلاء، بالإضافة إلى البصرة) مرشحة لذلك، جاءت زيارة وفد الفيفا للمدن الثلاث، والتي قادها الرئيس والشخصية الأهم في اللجنة، الألماني هيلمت شبان، والأردني طلال السويليم، لتعطي كثير الأمل، وكانت فعلًا زيارة كفيلة بإعلان رفع الحظر في ظل الظروف الامنية المتحسنة تدريجيا وقبول ملعب البصرة مستضيفًا لأسود الرافدين في التصفيات المزدوجة، مدينة وملعب حققا الإجماع وكانا مطلب الأغلبية في العراق حينها، مرت الأيام وجاء موعد أول لقاء بعد ثماني سنوات من الحظر وعودة المنتخب العراقي للعب على أرضه وبين جمهوره في مقابلته الرسمية الأولى، والتي كانت ضد منتخب هونغ كونغ، وبثنائية علي عدنان ومهند علي وبحضور جماهيري كبير جدًا انتهى اللقاء، جرت الـ90 دقيقة، وما قبلها، وما بعدها بشكل عادي وشهدت تنظيمًا مميزًا جدًا على كل المستويات، على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي تشهدها العودة بعد سنوات، وعراقيل تنظيم أول لقاء بعد حظر طويل وبحضور جماهيري كبير لملعب بسعة 65 ألف متفرج.

ولسوء حظ المنتخب العراقي وجماهيره لم يدم رفع الحظر طويلًا حتى عاد الوضع الأمني إلى التأزم من جديد داخل بلاد الرافدين وهو ما أوجب على الاتحاد العراقي لكرة القدم نقل لقائي إيران والبحرين الى الأردن وعبر ملعبها الأكبر «ستاد عمان الدولي»، والذي يضمن تواجد 25 ألف مشجع؛ مما قد يوفر تواجد عدد كبير من الجالية العراقية بالأردن، وشاءت الصدف أن يكون لقاء إيران متزامنا مع حراك الشعب الذي يعتبر إيران والقادة في طهران سبب بلاء البلاد، وسوء حال العباد منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين قبل 16 سنة، لقاء لبست فيه الجماهير القمصان والكمامات السوداء تعبيرًا عن دعمها المطلق للمحتجين في بلاد الرافدين، في حين لم يبخل اللاعبون على شعبهم بإرسال بعض جرعات الفرح للعراقيين عمومًا وللمتواجدين بميدان التحرير ببغداد خصوصًا ولو بشكل مؤقت حين ضربوا الشباك الإيرانية بهدفين قاتلين جعلا من الفرحة مضاعفة، فرحة النقاط الثلاث ممزوجة بإسم المنافس، بعدها بأيام قليلة استضافت العراق منافستها على الصدارة البحرين على نفس الملعب في الأردن أيضًا وانتهت كما بدأت بيضاء، جعلت العراق تحافظ على صدارتها للمجموعة الثالثة بـ11 نقطة كاملة من خمسة لقاءات.

على الرغم من تعود المنتخب العراقي وباقي الأندية العراقية على اللعب في بلدان أخرى منذ سنوات عديدة بسبب الأوضاع الأمنية المتأزمة، إلا أن الكل راغب في تواجد المنتخب ولعبه داخل الملاعب العراقية، عمومًا وملعب البصرة خصوصًا، مع الاختلاف هذه المرة أن سبب الحظر ونقل اللقاءات وعلى غير العادة هو حراك شعبي واسع من أجل تحقيق وثبة مميزة للوطن تنقله من غياهب جب الفساد إلى نور الحرية والديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد