نتظاهر في كثير من الأحيان، بأنّنا نعتبر بعض الممارسات قديمة وماضويّة لا تعبّر سوى عن ذهن متخلّف يعشش فيه الجهل وتسكنه الخرافة. وهو ذهن بعيد عن العلم، ويقبل كلّ شيء دون أدنى تفكير أو تمحيص أو تعقّل. فنعلن احتقارنا لهذا الذّهن ولهذه الممارسات ونعلن سخريّتنا منها ومن كل من يقوم بها. وندّعي اتباع طريق آخر غير طريق الخرافة والجهل الذي ترسمه تلك الممارسات. وعادة ما يكون هذا الطريق المقابل هو طريق العلم والعقل.

إلاّ أنّ الغريب في الأمر، هو أنّنا قد ندّعي محاربة الخرافة، ولكننا نستمرّ في ممارسات تكرّس هذه الخرافة نفسها وبشكل أكبر.

في الواقع، إنّ الأمر لا يتمّ عبر إحياء الخرافة كما كانت في الماضي، بمعنى اجترارها وتكرارها كما وجدت. لأنّنا نقدّم ممارساتنا المتخلّفة في قالب جديد، في قالب مزيّن بالعلم.

لنلاحظ ما يجري داخل الفيسبوك ومختلف التطبيقات التي تدّعي استشرافها لمستقبلك، ألا تظنّ أنّ الأمر غريب؟! هل يمكن لتطبيق أن يعرف من أنت؟!، وكيف سيكون مستقبلك؟! وما هي أخلاقك ومواقفك؟! أليس هذا من عمل العرّاف أو قارئة الفنجان؟! أوليس كل هذا يناقض تمامًا العلم الذي ندّعي أنّنا نتبناه ونعيش وفق هديه تحت اسم العقلانية؟! سيكون الأمر مؤسفًا إن أنت صدّقت ذلك.

إنّ الماضي -والحاضر أيضًا- يخبرنا أن ادّعاء التنبّؤ والمعرفة بما سيقع في المستقبل من عمل «الشوّافة» التي كانت تحظى بمكانة كبيرة في قلوب الكثيرين. لقد كانوا يزورونها باستمرار، وربّما لا زال الكثير منهم يزورها لكن بتستّر.

إنّ مهمّة الشّوّافة هي أن «تشوف» بمعنى، أن ترى. لكن ما تستطيع «الشّوّافة» أن تراه ليس متاحًا لنا جميعًا نحن البشر العاديون . فنحن لا نستطيع أن نرى سوى ما هو داخل مجال رؤيتنا المباشرة. من هنا أحيطت «الشّوّافة» بهالة من التقديس و التقدير الكبيرين، لأنها تستطيع أن ترى المستقبل ونحن لا نستطيع أن نراه، بل إنّنا نخافه. فكانت زيارتها لا تستقيم إلاّ بأيادي ممتلئة محمّلة بالهدايا أو «الزّيارة». لأنّ «لجواد» يطلبون دائمًا «لبروك» ثمنًا للأجوبة الثّمينة التي سيقدّمونها للزّبون.

مهمّة الشّوّافة كما يظهر، هي رؤية المستقبل واستشرافه، وطمأنة الإنسان الذي أقلقه ما سيأتي، والذي يكون بشكل تلقائيّ قد آمن بأنّ كلّ تفاصيل حياته -حتّى الصغيرة منها- قد هندسها مهندس ما. وما عليه هو سوى أن يؤدّي الدّور الذي اختير له في كامل الخضوع والخنوع.

اليوم، ربّما لم يعد لهذه «الشّوّافة» الكلاسيكية تلك المكانة التي كانت حظيت بها في السابق. لكن هذا لا يعني أبدًا أنّها انتهت، ولا يعني أيضًا أنّ التخلّص من هذه الخرافات قد تمّ بنجاح. لأنّ الفيسبوك كشف لنا عن «شوّافة» أكثر حنكة وأكثر قدرة على التنبّؤ.

قم بجولة قصيرة داخل بروفايلات الفيسبوكيّين، إنّها كفيلة بأن تجعلك على يقين تامّ بأن أكبر شوّافة موجودة في هذا العالم هي «الشّوّافة» التي تسكن هذا الموقع، إن شهرتها عالمية، وما يميزها هو أنها تدّعي معرفة كل شيء، الماضي والحاضر والمستقبل. إنّها تدّعي أنّها تعرف أقرب النّاس إليك، وتعرف التّهمة التي ستدخلك السجن، وتعرف من يفكّر بك في هذه اللحظة بالذات، وتعرف شبيهك الشّهير… حتى موعد موتك لا يخفى عنها.

الجميل في هذه «الشّوّافة» أنّها تقدّم كل خدماتها بالمجّان، فهي لا تحتاج إلى «لباروك» كما هو حال «الشّوّافة» التقليدية. ولست أدري إن كانت هذه «الشّوّافة» الفيسبوكية توظّف في عملها «لجواد» أو الجنّ والأشباح، كل ما أعرفه وما أؤمن به هو أنّ المستقبل من صنع الإنسان نفسه، هو أن الحياة ليست مسرحية جاهزة نؤدّي فيها أدوارًا من إخراج عفريت أو جنّ أو شيطان. لأنّ الحياة بناء ومن يبني هم نحن. أما معرفة المستقبل فستبقى حكرًا على الإله وحده، ذلك الإله الذي يتفرّج علينا جميعًا ويسجّل لنا أو علينا كلّ صغيرة وكبيرة.

 لذلك، فحرّي بنا أن نعيد النّظر في ما نقوم به يوميًا. حرّي بنا أن نقارن «كيف نفكّر الآن» بـ«كيف فكرت الأجيال السابقة» حتى ندرك هل نحن فعلا تقدمنا إلى الأمام؟، أم أنّنا لم نراوح مكان السابقين علينا بعد، أم أنّ الطريقة التي نفكّر بها أكثر تخريفًا وجهلًا مما كانت عليه طريقتهم. لأنّ الجلوس أمام الحاسوب لساعات طويلة، لا يعني أبدًا أنّنا من أنصار العلم وأتباعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد