قبل فترة قرأت مقالة مؤثرة للرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي بعد رحلته التي كانت تهدف إلى كسر الحصار على غزة، كتب الرجل في هذه المقالة بأسلوب مفعم بالمشاعر وبلغة ملهمة وبطريقة بدا فيها راجيًا أن يتوصل الفلسطينيون والإسرائيليون إلى صيغة تعايش،

 

 

 

لكنه استطرد أن ذلك يتطلب تغيرا راديكاليا ليس متحققا الآن، وهذا الكلام في محله فمقومات الحوار تُغتال يوميًّا من قبل القيادات الإسرائيلية التي تستغل الظروف السانحة لرسم واقع يدمر طموحات وآمال الفلسطينيين، نذكر على سبيل المثال لا الحصر استمرار الحركة الاستيطانية والاعتداء على المقدسات وهو الأمر الذي أشعل الهبة الشعبية الحالية.

 

 

 

 

فنظرة بسيطة على حياة الشهداء الذين قضوا والشباب المنخرط في المواجهات اليومية مع قوات الأمن الإسرائيلي، تعطينا فكرة أن هؤلاء الشباب كانوا يعيشون بطريقة عادية تخْلو تماما من أي نشاط سياسي يذكر أو تاطير داخل منظمات من أي نوع،

 

 

 

 

فاتخاذهم قرار المواجهة كان تلقائيًّا بسبب الغضب مما يحدث من انتهاكات؛ في محاولة للتعبير عن السخط من الوضع القائم وإثارة جلبة بأي شكل للمعاناة الفلسطينية وربما تحقيق ثأر آني قد يكون من ورائه مكاسب سياسية لاحقة.

 

 

 

 

 

من ثم فهذه الانتفاضة لم تحدث عن سابق تخطيط رغم تشكل نواة تنظيمية لاحقًا مثل محاولة الاتحادات الطلابية تنظيم المواجهات مع الاحتلال بهدف ضمان استمراريتها لفترة أطول وقد سبقها من قبل تنظيم الرباط في المسجد الاقصى، لكنه يبقى تنظيمًا ذا حد أدنى لأنه لم يؤطر بخبرة المنظمات السياسية الفلسطينية،

 

 

 

ويعود ذلك إلى حالة رفض غير معلن لدى الشباب الفلسطيني لهذه التنظيمات نتيجة وضعها في الساحة حاليًا، فمن المعلوم أن التشكيلات السياسية الفلسطينية بمختلف أطيافها تخضع لضغوط خارجية تغُلها وتجعل مواقفها أقل من المرجو شعبيًّا مما أفقدها نسبة كبيرة من رصيدها.

 

 

 

 

 

نفس الأمر يمكن أن يقال بالنسبة للمؤسسات الرسمية فالسلطة مثلا لم تكف عن اللجوء إلى المؤسسات الدولية وإلى المفاوضات، وهي سبل تتطلب صبرًا قبل تحقيق نتائج ملموسة كما أنها مقيدة بحسابات سياسية معقدة، هذا في حال ما إذا كانت ناجحة في تحقيق أهدافها،

 

 

 

في حين أن التعبير عن الغضب الشعبي لا يتطلب كل ذلك رغم أنه يكلف تضحيات جسيمة، لكن يبدو أن الشباب أصبح يفضل التضحية لأنه فقد إيمانه بفائدة المفاوضات والمؤسسات الدولية.

 

 

 

 

 

ومن ثم فقد فضل شباب الانتفاضة أن يبقى لوحده مغامرًا بارتفاع حجم التضحية في مواجهة الاحتلال، وهو بالفعل ما بدأت أمارته تظهر مثل محاولة تمرير مشروع قانون يتضمن إخضاع الاطفال ما دون 14 سنة للمحاكمات كبالغين، وتداول فكرة طرد عائلات منفذي العمليات إلى غزة، فضلا عن استمرار دعاوي رفع السلاح من قبل المستوطنين والتسامح مع فكرة تنفيذ الإعدامات الميدانية.

 

 

 

 

الأمر المحزن أن هذه الانتفاضة منيت بظروف سيئة تحول دون حصولها على دعم سياسي أو دبلوماسي، فمن ناحية الدول العربية تعاني من انتشار الحروب والصراعات والقلاقل مما جعل الحديث عن القضية الفلسطينية يبدو ترفًا مهما كان حجم الانتهاكات اليومية التي تقع في حق الفلسطينيين

 

 

 

 

كما تم تسجيل تراجع الاهتمام الشعبي العربي بالموضوع ففي وقت مضى كان من المتوقع أن تشتعل المظاهرات في العواصم العربية إثر الاعتداءات الممنهجة للمقدسات لكن هذا لم يحدث الآن، في نفس الوقت لا يمكن أن نتوقع من الدول الأوروبية أن تلعب دورًا مميزًا في الضغط على إسرائيل لأنها مشغولة قلبا وقالبا بتسيير أزمة اللاجئين وإيجاد حلول لها.

 

 

 

 

 

لكن رغم ذلك تعد الانتفاضة فرصة ثمينة لمراجعة فلسطينية داخلية؛ خاصة وأن الانتفاضة قد أظهرت بعض الأمور لم تكن واضحة من قبل هي كالتالي:

 

 

 

 

يمكن لعرب 48 ان يلعبوا دورًا في الضغط ودعم النضال الفلسطيني كما ثبت في الأيام القليلة الماضية ومن ثم فإن تجاهلهم وإبعادهم كان خطيئة يجب استدراكها.

 

 

 

 

تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية مؤتمرات وصالونات وتجاذبات دولية أضعف موقف السلطة الفلسطينية؛ إذ يجب إعادة قضية الوطن إلى الشعب وجعله المحدد الرئيسي في صنع القرارات الهامة بصرف النظر عن مدى رضا القوى الخارجية والتوقف عن لعب دور الحارس من حدوث انفجارات شعبية.

 

 

 

 

 

أدى غياب تصور واضح وموحد لشكل النضال الذي يجب أن يتبع إلى مزيد من التخبط والتناقض على مستوى السلطة ما بين إجراءات معادية للانتفاضة حينًا وتصريحات منددة بالقمع والعنف الإسرائيلي حينًا آخر، إضافة إلى التباين في المواقف بين السلطة وحماس ولعل أفضل ما يمكن أن يتبع في هذا المجال هو الانفتاح على مقاربة تضمن التنوع في المقاومة بين المسلحة والمدنية دون إدانة أي شكل مادام يهدف لخدمة قضية التحرر.

 

 

 

 

عدم تأطير الانتفاضة من المتوقع أن يؤدي إلى إخمادها سريعًا خصوصًا مع الإستراتيجية الجديدة التي تتبعها إسرائيل والتي تدور حول عدم إثارة المزيد من الغضب بهدف التهدئة.

 

 

 

 

 

ربما ستنتهي هذه الانتفاضة دون تحقيق الآمال الكبرى للفلسطينيين، لكن لو تفطن القادة الفلسطينيون إلى النقاط سابقة الذكر ستكون هذه الانتفاضة انطلاقة لتصحيح مسار النضال الفلسطيني.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد