في المقال السابق ادَّعَيت أن الفهم الفطري قد يكون أصدق وأوفى من غيره لغير المتخصصين. في هذا المقال سأختبر هذا الادعاء باستعراض قضية علمية خلافية لمعرفة كيف تتباين الأدوات المعرفية المتاحة للناس في الوصول للحقيقة.

“…. فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُب الشَّمْس؟”قُلْت اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَإِنَّهَا تَذْهَب حَتَّى تَسْجُد تَحْت الْعَرْش“رواه البخاري

هناك مجموعة محدودة من الأدوات يمكن أن تتصدى لمعالجة نص ديني صادم، مثل: هذا الحديث: الحدس والبداهة، التفسير الديني الأصولي، التحليل العقلي والفلسفي، والعلوم التجريبية و المنطقية.

وفي هذا المقال سأٌفَصٍل في التحليل الفلسفي و العلمي و أجمل فيما سواهما.

خلافا للمستعلمين (على وزن متأسلمين)، فالعلماء لا يتسرعون بإصدار أحكام باسم العلم ما لم يستطيعوا أن يضبطوا الألفاظ بشكل قابل للدراسة، ويستعرضوا ما في خزانة الإنسانية من معارف. وإلا فإنهم يتركون الموضوع برمته؛ بوصفه غير قابل للدراسة العلمية. وللحكم على صحة هذا الحديث العلمية يجب ان نستعرض ما نعرفه عن علاقة ما هو داخل الكون (الشمس) بما هو خارجها (العرش).

أهم ما في خزانة الإنسانية عن هذا الأمر هو نظرية الانفجار الكبير: أحد أهم النظريات العلمية، والتي عليها إجماع من العلماء يصل إلى ١٠٠٪  حسب دكتور بيرت أوڤرت1 (بروفيسور فيزياء وفلك شهير من جامعة بنسلفانيا) حيث إن الأدلة المادية كثيرة، وتنبؤات النظرية دقيقة. وصحة التنبؤات أهم دلالة على صحة أية نظرية.

يقول العلماء: إن الكون بدأ منذ أقل من ١٤مليار سنة. وهذا كشف مهم، وهو  أن الكون له بداية. و قبل هذه النقطة لم يكن هناك كون.

لندرك الدلالة المذهلة لعدم وجود الكون يكفي أن نعلم أن الكون معناه: “ الزمن والمكان، و كل ما يحوياه، متضمنا الكواكب والنجوم والمجرات وما بينها، كل الذرات بمكوناتها، كل ما هو مادي، و كل الطاقة” مترجم من ويكيبيديا بتصرف. 2

هذا معناه أنه في حلقة ما في الوجود، لم يكن هناك زمان3 ولا مكان. ولم تكن هناك مادة ولا طاقة.

عدم وجود المكان معناه عدم وجود مساحات ولا اتجاهات (لا شمال ولا جنوب، لا شرق ولا غرب). ويعني عدم وجود الزمن أصلا، فلا يوجد أمس أو اليوم، لا فرق بين السنة والثانية.

لا وجود بالشكل الذي نعرفه.      لا شيء.

يعتقد العلماء أن في هذا الفراغ اللانهائي. ظهرت كتلة بحجم ثمرة البرتقال (قطر ١٠ سم)، ولكنها مادة مكثفة ومتماسكة بفعل طاقة كبيرة جدا. هذه الكتلة احتوت على كل ذرة في جسمك الآن.وتحوي على مادة كل قلم استخدمته، كل حبة دواء أعطيتها لطفلك، كل طعام دخل جسمك، وكل ذرة أكسجين دخلت رئتك كانت في هذه الكتلة، وطاقة كل شعاع ضوء انعكس علي عينيك من طاقة هذه الكتلة.

منذ أقل من ١٤ مليار سنة، فجأة ظهر كل شيء، و فجأة أيضا ظهر الزمن4.

فهذه الكتلة -التي انفجرت لتصبح الكون- احتوت بداخلها لأول مرة على فكرة التعاقب، فأنا وأنت قد نجلس على نفس الكرسي، ولكن يفصل بيننا مسافة من الزمن، تجلس أنت في هذه اللحظة، ثم تغادر في اللحظة التالية، ثم أجلس أنا في اللحظة التي تليها، وبالتالي استطعنا أن نتشارك الكرسي والطعام والممتلكات و كل الموارد، حتي مكونات أجسامنا نتشاركها مع الأرض و الحيوانات و النباتات في أزمنة مختلفة. بل إن الزمن نفسه أصبحنا نتشاركه، كل منا يمتلك مساحة منه، عمره، في خلالها يتفاعل مع الكون ويستفيد بالموجودات. ثم يتركه لغيره.

أحد الدلالات المدهشة أيضا و التي يعتقد بها العلماء (كل من المؤمنين والملحدين) هو أن الكون محدود. فكل هذا الكون يحدث داخل برتقالة متمددة لها حدود تنتهي عندها، كانت ١٠ سم مربع5، حينما وجدت والجزء المنظور منها الآن هو ٩١ مليار سنة ضوئية، وبعد هذه الحدود لا يوجد زمان ولا مكان و لا مادة ولاطاقة.

أي أن هذا الكون هو جزء من وجود آخر ليس به زمان ولا مكان.

هذا يعني أن الوجود بمعناه الشامل ليس هناك معنى فيه للزمان والمكان، بل إن الزمان والمكان هما اختراعان مفيدان لكوننا المحدود في الموارد (المادة والطاقة) ويسمح لنا أن نتشارك الموارد المحدودة بالتناوب.

أحد التداعيات المنطقية المدهشة ـ أيضا ـ والتي يتفق عليها الملحدون والمؤمنون هو أن هناك بادئ للكون. هناك مسبب ما للكون، سبب وجود هذه البرتقالة التي تحتوينا وما نستهلكه لنعيش، الفرق بين الملحدين والمؤمنين في هذه القضية هو فرق غير جوهري، وهو أن المؤمنين يؤمنون بواجد واع يقصد الإيجاد، بينما، الملحدين يؤمنون بواجد آلي (طبيعي) غير واع موجِد الكون بشكل غير مقصود. مثال لهذا: أن الكون أوجده كتداع لكون آخر مواز. وإيمان الملحدين بأن الموجد غير واع هو محض اعتقاد لم يقدم عليه أحد في تاريخ الإنسانية دليل مادي أو حتى منطقي. هو فقط يعتقد بعدم وجود إله.

وبغض النظر عن إن كان واجد الكون يقصد هذا أم لا، فكل الوسائل المعرفية المتاحة للإنسانية من دين وحدس وفلسفة وعلم تشير  إلى أن هناك موجودات خارج هذا الكون، وأن الموجودات خارج هذا الكون لا تحتاج زمانا ولا مكانا.

هل وجودك داخل برتقالة تحتوي على الزمن و المكان أربكك؟ فلنفعل ما هو أغرب! فلنحررك من هذا القيد!

تخيل! شيء غريب.

تخيل أنك موجود خارج هذا الكون. و أنك لا ينطبق عليك قواعد الزمان و المكان، وأنك لا تتكون من مادة، ولا تعتمد على أية طاقة.

معني هذا أنه لا يوجد شمال أو جنوب، شرق أو غرب، الاتجاهات لا وجود لها فهي فقط داخل الكون، لو خاطبت شخصا في إيطاليا، وآخر في السودان فلن يتطلب منك الأمر الانتقال؛ فالكون كله موجود في مكان واحد بالنسبة لك.

يمكنك أن ترى كل الكون، وكل الناس، في آن واحد.

يمكنك أن تسمع كل الأصوات في وقت واحد، وكما أنه لا تحدك مسافة، فلا يحدك زمن، فلا يوجد اليوم والأمس وغدا، لا يوجد ماضي أو مستقبل، سترى كل لحظة في الكون في وقت واحد. كما لو كانت صورا ثابتة متراصة أمامك منذ بداية الكون وإلي نهايته.

البداية والنهاية نفسهما يحدثان الآن سويا، وسيظلون هناك.

سترى الطالب وهو يذاكر، ثم وهو يمتحن في وقت واحد، سترى السارق وهو يقوم بالجريمة وهو يندم عليها في وقت واحد.

ستعرف كل ما كان، وكل ما سيكون في وقت واحد، ولن تحتاج لأن تنتظر تعاقب الزمن.

سيكون لديك علم تام بكل شيء، وسيبدأ الناس في الظن أن ما تخبرهم به هو قدر أنت أجبرتهم على فعله، و ليس علما بمآلات الأمور؛ فهم لا يتصورون قدراتك غير المحدودة بعالمهم.

العجيب أن هذا الوصف، والذي يبدو مطابقا تماما للكتابات الصوفية عن الله ـ عز و جل ـ هو وصف علمي تماما للموجودات خارج الكون، و مبني علي نظريات علمية عليها إجماع شامل من العلماء.

هذا الوصف العلمي، الديني، الفلسفي هو ببساطة نقطة التقاء كبرى مع الفهم البسيط للحياة.

وفي النهاية ما هي الإجابة عن موضوع موضع غروب الشمس؟ الإجابة غير مهمة، فلا يوجد “تحت” ولا يوجد “موضع” ولا يوجد “ذهاب” بالمعني الحرفي للمكان؛ لأنه لا يوجد مكان. ولا توجد لغة قادرة علي وصف ما هو خارج الكون، اللغة التي استخدمها النبي صلي الله عليه وسلم للإجابة، واللغة التي قد استخدمها الآن هي عبارة عن مجموعة من التشبيهات المجازية التي تقرب المعني إلي أذهاننا و تثير خيالنا لاستشراف المعنى وليس لتحديده.

لهذا كان دائما هناك معنى متكرر في الإسلام “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”  رواه البخاري.

فلغة البشر قاصرة عن التعبير عن أية حقيقة، بل هي تشير إلي المعنى ولا  تحتويه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد