تعتبر المعارضة أحد الأركان الأساسية للأنظمة الديمقراطية، لكونها تقوم بدور المراقبة للأداء السياسي الحكومي، والكشف عن الثغرات والهفوات التي يقوم بها الجهاز الحاكم، وتمثل قوة موازية أمام السلطة التنفيذية لخلق نوع من الاستقرار السياسي في البلاد. وتنقسم المعارضة إلى قسمين معارضة ممأسسة تُمارس مهامها داخل إطار مؤسساتي منظم بقوانين مؤطرة، ومعاضة مسلحة تسعى إلى قلب النظام بالقوة واقتلاع جذوره وقد تسمى كذلك بتمرد مسلح أو ثورة.

وقد عرف المغرب عبر تاريخه العريق جميع أنواع المعارضة وصراعات كانت في أغلبها دموية، لكننا سنقتصر في هذا المقال على دراسة أصل المعارضة الحالية وتحليل تاريخها وتتبع مسارها والتنبؤ بمستقبلها. وتعود بِنَا الأحداث إلى أربعينيات القرن الماضي، كان المشهد السياسي المغربي يقوم على حزبين قويين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، فكانت المعارضة في تلك الفترة في مواجهة سلطات الحماية الفرنسية، غير أنه سرعان ما نال المغرب استقلاله حتى تحول الصراع بين هذين الحزبين في مواجهة بينهما ومع المؤسسة الملكية حول السلطة.

وعلى هذا الأساس سيهيمن حزب الاستقلال على مقاليد السلطة والساحة السياسية طيلة السنوات الأربع بعد الاستقلال، محاولًا تكريس ذاته كقوة سياسية كبيرة ومهيمنة وذات امتداد شعبي واسع، غير أن القصر في إنضاج التناقضات بين تيارات الحزب وينجح سنة 1959 في تفجيره من الداخل ثم انشقاق وتأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبالضبط سيحسم صراع السلطة لفائدة المؤسسة الملكية، والتي ستغرق الساحة السياسية بأحزاب تمثلها في الانتخابات، وفي هذا السياق ستؤسس أحزاب ليس لها أي امتداد شعبي أو بناء أيديولوجي كجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (FDIC)، ومع سنوات الستينيات سيقسم المشهد السياسي المغربي إلى كتلتين يمينية موالية للنظام ومعارضة يسارية، وفي إطار هذا التدافع والصراع كانت المعارضة اليسارية بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تتبنى أسلوبين أو خطين في النضال، معارضة ممأسسة داخل المؤسسات الدستورية ومعارضة بلانكية مسلحة، الشيء الذي سيدخلها في مواجهة دامية مع القصر مما سيؤدي إلى حملة واسعة من الاعتقالات ضد أُطر ومناضلي الحزب.

ونتيجة للاضطهاد والقمع المسلط سيظهر على السطح تناقض بين مكوناته ويقسم إلى مجموعتين الرباط والدار البيضاء، ونتيجة لعدم احتواء التناقضات القائمة بين الجناح السياسي والنقابي والمسلح، سيعقد مؤتمر استثنائي يناير 1975 سيولد من خلاله حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبني على قاعدتين – المشاركة في المسلسل الديمقراطي – نبذ الخيار البلانكي. وقبله في سنة 1973 سيقوم حزب التحرر والاشتراكية بمراجعة فكرية وعلى ضوء نتائجها سيغير العديد من مبادئه بل حتى اسمه وسيحوله إلى حزب التقدم والاشتراكية، وتعتبر هذه المرحلة هي النقطة المفصلية التي ستشكل آثار المشهد الحزبي الحديث، وردًا على الطروح المهادنة سينشق من رحم هذين الحزبين منظمات ماركسية لينينية، هما منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس، وعلى هذا الأساس ستنقسم المعارضة اليسارية إلى قسمين الأولى وسطية مهادنة ومسايرة، لكن ذات امتداد شعبي واسع، أما الثانية راديكالية تتبنى الماركسية اللينينية والكفاح المسلح لقلب النظام، غير أنها لم تتمكن من أن تجد موطئ قدم لها داخل الساحة السياسية أو الشعبية بحيث أن أفكارها لم تتجاوز أسوار الجامعات، بخلاف المعارضة الوسطية وإن كانت تملك قواعد شعبية كبيرة وأُطر عملاقة، إلا أنها كانت تعاني من انهزام نفسي وايديولوجي كبير نتيجة خسارتها المذلة أمام القصر، الشيء الذي سيخلق تناقضًا بين مكوناتها.

وهكذا سينشق حزب الطليعة عن حزب الاتحاد الاشتراكيين 1983، وتأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وابتداءً من هاته المرحلة ومع بداية تشرذم قوى اليسار، كان جدار الجليد قد بدأ بالذوبان بين هاته القوى والقصر على خلاف السابق بحيث كانت تعتبره نقيضًا لها وأنه معرقل التنمية والديمقراطية، لتتحول ابتداء من هاته المرحلة من معارضة النظام إلى معارضة الحكومة، وعلى هذا الأساس ستتحول غلى ما يصطلح عليه بالمعارضة التدبيرية، أي الوقوف على بعض السياسات التدبيرية فقط للحكومة.

ومع بداية التسعينيات سيعرف المغرب تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ستفرض على القصر إشراك المعارضة لأول مرة في حكم، ومع هاته المرحلة سيبدأ ذوبانها أو تحللها داخل بنية الحكم، وستتحول تدريجيًا طيلة مرحلة التناوب من مدافع عن الشعب الى مدافع عن الامتيازات التي حصلت عليها من السلطة، وعلى هذا الأساس فقد كانت عبارة «أرض الله واسعة» معبرة وملخصة لواقع الحال، فنتيجة للقمع والاضطهاد الممارس عليها طيلة أربعة عقود وفي عدم وجود وعي ونضال شعبي ارتأت قوى المعارضة أنه لا جدوى من الصدام والواجهة بل الحصول على أكبر قدر من المنافع في أفق بلوغ تراكم يغير من تلقاء نفسه موازين القوى، أما مرحليًا فالمهادنة كانت خيارها الاستراتيجي، ومع نهاية التناوب وتمرير سلس للسلطة وضبط الأمور كانت الصدمة المتوقعة، فمع حصول الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الأولى في الانتخابات لم يستلم الوزارة الأولى بل تم تعيين تكنوقراط على رأسها، لكن ومع هذا الانقلاب تمسك المكتب السياسي بالسلطة والامتيازات وقرر المشاركة رغم الصفعة القوية واستقالة ثم مغادرة كاتبه الأول للمغرب، كانت هذه المرة الأولى التي تظهر فيها المعارضة عارية بدون أي حجاب، لتكون النتيجة مقاطعة شعبية كبيرة للانتخابات سنة 2007.

وفي سنة 2008 سيتم تأسيس حزب جديد على شاكلة FDIC تحت مسمى حزب الأصالة والمعاصرة ليكتسح بدوره الانتخابات الجماعية لسنة 2009 كل ذَا سيرخي بآثاره القوى اليسارية وطريقة تعاملها وذلك في حلتها الجديدة، غير أن رياح التغيير ستأتي بما لا تشتهي سفن السلطة، وأنه في 2011 ستنفجر انتفاضات في بعض الدول العربية، ستبعثر أوراق صانع القرار مما سيؤدي به إلى وضع دستور جديد وتوجيه دعوة إلى كل الفاعلين السياسيين من أجل اقتراح والإدلاء بوجه نظرهم، غير أن الغريب هو أن مقترحات السلطة جاءت أكثر تقدمًا مما طرحته بعض الأحزاب اليسارية ذات التاريخ العريق في المعارضة.

وعلى هذا المنوال يمكننا التنبؤ إلى مصير المعارضة المغربية، أنها أفرغت من محتواها قبل أكثر من ثلاثة عقود وأن مصيرها أصبح مرتبطًا بالسلطة الحالية تبقى تؤثت المشهد في وجوده وتزول بزواله، نظرًا لافتقارها لبرنامج وخطط عمل واضحة، وكذلك أصبحت أحزاب بدون أيديولوجيا أو مرجعية سياسية، بل فقط أحزاب انتخابية ومصلحية وبعيدة كل البعد الشارع والشعب، وهنا يكمن الخطر فسابقًا كانت هذه الأحزاب بمثابة الإسفنجة التي تمتص وتلعب دور الوساطة بين الشعب والسلطة ونتيجة لهذا الضعف والتشرذم أصبحت المواجهة والصدام بشكل مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد