يقلب المرء الأمر على وجوهه، ماذا الذي يمكن عمله لإنقاذ البلد من الهوة التي تنحدر إليها؟ فلا يجد الكثير.

فهناك أعداء الاصطفاف، الذين يتحركون أو يحركون، وتصيبهم حالة خارجة عن المألوف كلما سمعوا هذه الكلمة، أو أحسوا بتحرك جاد أو حالم نحوها. تُوجه الدعوات للمصريين أن يفيقوا، فإذا أفاقوا، قيل: الآن بعد أن أيدتم الانقلاب، وحرضتم على القتل، وشاركتم في الدم؟! لا بد أن تعتذروا. فإذا اعتذروا. قيل: عليكم أن تذهبوا إلى مؤخرة الصفوف. فإذا ذهبوا. قيل: لعلهم مدفوعون من أجهزة المخابرات والأمن. ولا شك أن الحذر مطلوب، لكن دائرة المطالب هكذا لا تنتهي، وما بهذا تقوم الثورات.

وهناك الكيانات الهلامية التي تم إطلاقها من بعد الانقلاب، ما بين تحالف ومجلس وبيان وهيئة، بلا رأس، ولا جسد، ولا لجان، ولا خطة. فائدتها لا تزيد على حضور مؤتمر، أو إصدار بيان، أو وصف يتبع به العضو اسمه، عن الظهور على التلفزيون، أو الكتابة في الصحف.

وهناك من يخرج من التحالف، ومن هو باق فقط حتى لا يشمت الأعداء، ومن هو غير راض عن طبيعة الشراكة ويرسل رسائل صراحة وضمنًا، وأقاويل تردد عن تبعية هذا لهنا وهناك، وفساد واستبداد وافتقار للرؤية وإهدار للإمكانيات، وكلام كريه بعضه صحيح وبعضه الله أعلم بصحته، وروائح تزكم الأنوف.

وهناك العقدة في المنشار عودة الدكتور مرسي، التي يتمسك بها المتمسكون، ويزايد عليها المزايدون، وعليها يوالون ويعادون، وكأن الأمور قد حسمت، والثورة قد قامت، والانقلاب قد سقط، والسيسي في السجن أو على حبل المشنقة! ولم يبق إلا مناقشة ترتيبات العودة، بالتعبير الذي قاله نعوم تشومسكي أو وضع على لسانه.

وهناك الخلافات البينية التي لم تتخذ الإجراءات لتجنبها، ولم يعمل على جسرها في حينها، وانتقلت من كونها بين مكونات المعارضة يمنع من ظهورها سيف الحياء، إلى خلافات داخلية تعصف بأكبر جماعة إسلامية، وبدلًا من أن تتوجه الطاقات وتصدر البيانات لمواجهة الانقلاب، صارت تصدر لتأييد هذا الطرف أو ذاك من قيادتي الإخوان المتصارعتين، مصحوبة بالتكبير والاحتفاء.

إذا ذهب الناقد ينقد الإخوان، ويطالبهم بحسم الخلاف، وتولية قيادة جديدة تناسب المرحلة ويدين لها الجميع بالولاء، وتنسق مع بقية مكونات المعارضة في مشروع جامع، قيل: هذا أمر داخلي لا شأن لك به، والساحة خالية، تقدم للعمل وأرنا ماذا أنت فاعل (والمياه تكذب الغطاس)؟

آلاف الشهداء قتلوا، وعشرات الآلاف اعتقلوا، والمظاهرات خبا بريقها، وحال المعارضة مهترئ تمامًا كحال الحكم، وكما يقولون: السياسة فن الممكن. وما باليد حيلة، صرنا في (حيص بيص)، لا ندري ما نفعل.

أعيت الكثيرين الحيلُ، وبقي اقتراح وحيد، وهو: هل يمكن الاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ ونترك القضايا الخلافية للزمن، ونفتح صفحة جديدة فيما بيننا نحن المعارضة وننسى الماضي؟

هل يمكن أن نمد أيدينا لبعضنا البعض لمن وافق على تلك المبادئ بدون التفتيش في نيته أو التنقيب في تاريخه؟

هل يمكن أن نترك الكيانات القديمة كما هي، بخيرها وشرها، وخلافاتها، وحساباتها، وقادتها؟

هل يمكن أن نطلق حزبًا معارضًا في المنفى – له قادته وأعضاؤه غير المعروفين في الداخل – اسمه حزب الثورة؟ ومبادئه (عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية)؟ وهدفه إسقاط الانقلاب؟ وعضويته مفتوحة لجميع الأفراد، ثم يختار المنضمون قياداتهم فيما بعد من خلال التصويت عبر الإنترنت.

هل يتحمس لهذا الاقتراح أحد؟

#حزب_معارض_في_المنفى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد